الفصل 115: عذاب
وجهة نظر سيرسي
إذا كان فيه كلمة وحدة تقدر توصف كل المأساة اللي صارت بعد الهروب الجريء حقنا، فهي ‘العذاب.’
إنه مؤلم زفت أنك تنام تحت سقف خاين وتبحر في المحيط اللي ريحته وحشة، والهوا مليان بريحة ورق الشجر.
السفينة اللي استعملناها ما كانت الأكبر ولا الأكثر تطور، عشان كذا أخذنا أسابيع عشان نوصل لوجهتنا. كان لازم نخلينا منخفضين عشان ما نجذب الانتباه. ما نقدر نستعمل سفينة فخمة عشان نغادر الشمال؛ راح يمسكونا ويرجعونا في أقل من دقيقة.
اليوم الأول كان جحيم خالص، مع كل دقيقة وساعة مليانة بعدم الراحة. بس، مع مرور الوقت، جسمي تأقلم، زي ما يصير دايمًا.
مو بس الريحة هي اللي خلتني مريض، بس الهزات المتواصلة حق الأمواج. قوتهم القوية كانت تلطم سفينتنا، وتسبب لي غثيان مستمر.
'أنت أحسن الحين؟' سألت فيينا، ونبرة صوتها كانت حنونة بشكل مفاجئ.
هزيت راسي، ردة فعلي كانت شبه غير مرئية.
فيينا، اللي كانت وحش طول حياتي، كسبت مؤخرًا تقديري اللي ما أبيه. ما قدرت أتأكد إذا كان كله تمثيل، خطة عشان تحبسني في خطة شريرة، بس الحقيقة هي، ما صرت أهتم.
هذا الجانب من شخصيتها، اللي طلع في الأسابيع الصعبة هذي، كان جديد علي تمامًا. ما شفتي هذي النظرة منها وأنا عايشة في القصر أو خلال لقائنا في دينان.
مين كان يصدق إنها رح تحتاج رحلة مليانة عذاب عشان نقرب من بعض كأخوات من الأب؟
'شكرًا,' تمتمت أخيرًا، وكسرت صمت طويل. بعدين بسرعة حولت عيوني، وثبتهم على الاتساع الواسع فوق والنجوم الساطعة اللي تنور سماء الليل. ما طالعتها بنظرة زيادة.
بكرة، راح نوصل للجنوب. وجود ريموس قريب، بس رحلة ليلة وحدة من الشاطئ. هذي الفكرة رجعت تصميمي، وتحدد نهاية هذي الرحلة الصعبة.
بمجرد ما تنتهي هذي المأساة، أول أولوياتي بتكون راحة لمدة أسبوع. بس، أنا شاكة حتى سبعة أيام من النوم بدون انقطاع تقدر تعوض قوتي بالكامل.
'لأنك انتبهتي لي,' أضفت لما سكتت، ونظرتها ثابتة على نفس قماش النجوم.
'ما سويت,' ردت باختصار. ما قدرت إلا أضحك على ردها. هي هي فيينا القديمة اللي أعرفها. ترددها في أنها تعترف بأي فعل إنساني سوته كان مستمر. سلوكها ‘الشريرة الوقحة’ كان له قوة لدرجة أن الاعتراف بأي نوع من اللطف يبدو أنه يسبب لها إزعاج حقيقي.
'سويتي,' أصرّيت.
'لا تمدحي نفسك. ليش أهتم أعتني فيك؟ ما أهتم إذا كنتِ بتمشي من هذي القضبان,' ردت، وهي ماسكة القضبان بطريقة درامية.
ضحكت على إنكارها الصريح. 'الكذب مو زين، تعرفين,' تهكمت، وابتسامتي اتسعت.
قلبت عيونها، بس ابتسامة خبيثة سحبت بزوايا شفايفها، وخانت مشاعرها الحقيقية.
'راح نوصل بكرة,' قالت كأنها ما كررت هذي الكلمات عدد لا يحصى من المرات في الأيام الأخيرة. هزيت راسي مرة ثانية، والتوقع قاعد يتصاعد فيني.
'أنا مشتاقة لحياتي القديمة,' اعترفت فجأة.
'بس أنا ما أشتقت لك القديمة,' رديت، وشجاعتي القوية سمحت لي أني أواجهها في ذيك السنين اللي تحملت فيها موقفها القاسي.
'ليش كنتِ كذا؟' أضفت، وأخيرًا أشرت على جانب آخر من سلوكها السيئ.
'ما كنت أحبك,' أعلنت ببرود.
'ما كنتي؟' رفعت حاجبي، وشددت على زمن الماضي في اختيارها للكلمات.
'ما أحبك,' صححت، بس تعبير وجهها أظهر تلميح من المرح.
'ليش تتحمليني الحين؟' أصرّيت، وأنا أرمي نظرة جانبية في اتجاهها.
للمرة الألف، قلبت عيونها. 'ما أتحملك.'
'خلاص,' وافقت، مو مقتنعة تمامًا بكلماتها. سواء كانت تحبني أو لا، حقيقة أنها ما تكرهني بعنف زي قبل كانت انتصار صغير.
'أنا مشتاقة للبيت,' تمتمت، وعيونها ثابتة على بحر واسع مالها نهاية.
مرارة طلعت في قلبي وأنا أبلع الكلمات اللي كنت أبغى أقولها. ما كان فيه ولا مكان واحد في هذا الكوكب أقدر أسميه بيت حقيقي.
'أنتِ ما تحسين بنفس الشيء,' لاحظت، مو تسأل بس تأكد، لأن صمتي كان بصوت أعلى.
'أنتِ تمزحين,' رديت، وضحكة خالية من الفرح خرجت من شفايفي.
'جد؟' التفتت عشان تواجهني، ورفعت حاجب يشك.
'فيينا، ليش في العالم راح أشتاق للمكان اللي قاتلت فيه بكل ما أوتيت من قوة عشان أهرب منه؟' سألت كأن فكرتها نتاج جنون خالص.
'لأن هذا المكان اللي كبرتي فيه,' هزت كتوفها كأنها أكثر شيء واضح في العالم.
'طفولتي ما تستاهل أتذكرها,' زلت من فمي. ‘أنتِ اللي ضمنتي كذا,’ فكرت بصمت، وأنا مخليت هذي الكلمات مقفلة في عقلي. كفاية كلام، وما عندي شهية عشان أطول في المواجهات أو ألوم الماضي، خصوصًا مو في نص هذا المحيط اللي ماله نهاية، مو لما أخيرًا بدينا نتفق شوية.
'أنتِ قضيتي طفولتك كلها مع بابا هناك,' علقت فجأة.
انصدمت. كلماتها كانت صحيحة بشكل لا ينكر. في تلك الظروف والبيئات القاسية، ربتني أمي وأبوي في هذا المكان. هذا المكان اللي حسيت فيه بالكمال. بس، هذا نفس المكان اللي يملكه أبوي الحقيقي الشرير. القدرة يمكن تكون قاسية.
'صح,' هذا كل اللي قدرت أقوله.
'طيب، أنتِ مشتاقة للبيت؟' أعادت سؤالها السابق.
'البيت مو مكان؛ البيت هو الناس,' رديت بثبات.
وين ما ألقى نفسي، راح أعتبره بيت إذا كنت في صحبة الناس اللي أعزهم، زي أمي، العمة ميلاني، ولوسيان.
اشتقت له بشكل رهيب. ولا يوم واحد عدى ما فكرت فيه. أراهن أنه غضبان مني الحين. ما أبغى ألقى، بس تمنيت أنه يلقاني. هل أخيرًا استسلم؟ هل أدرك أني ما أستاهل حبه وعاطفته؟
فكرة أنه يكون مع امرأة ثانية كانت خنجر في قلبي. وحدة عندها اسم، لقب، وحدة راح تكون مخلصة له. الألم كان شديد بس أفكر في هذا الشيء. ما كان عندي فرصة عشان أشرح ليش أخذت هذا الطريق. حتى لو كان عندي، أنا شاكة أنه راح يفهم أسبابي صح. ما راح يسمح لي أسوي هذي الخطة، عشان كذا سويت اللي كنت أؤمن أنه لازم يصير.
بعد ما أحل هذي الورطة اللي دخلت فيها، راح ألاقي طريقي وأرجع له. ما أهتم إذا كان تحرك، لقى وحدة جديدة، أو حتى زوجة جديدة. أنا مصممة أني آخذه، مهما كانت العقبات.
'بس انتظرك، يا حبيبي,' همست لسماء الليل، وأنا أقطع وعدًا ثابتًا حملته الرياح عبر المحيط اللي ماله نهاية.