ظلال الماضي
عيون تريستان بَاصت في عيونه من المراية، بس ما كانت عيونه هو. كانت أغمق، وأكثر شراً، مع بؤبؤ عمودي كأنه يخترق القزاز. بشرته كانت شاحبة جداً، مشدودة على عظام خدوده الحادة. شعره كان أطول، وأكثر جنوناً، مع خصلات فضية خفيفة كأنها تتحرك من نفسها.
هو كان وحش.
عقل تريستان ارتعب برعب، أفكاره كانت مستهلكة بالتحول اللي خرب جسده في عيد ميلاده الثامن عشر. ما قدرش يخلص من إحساس إنه غريب في جلده، سجين الوحش اللي كان يكمن تحت السطح.
"تريستان، يا حبيبي، انزل عشان الفطور," أمه، لورا، نادت من تحت، صوتها كان مرح بس فيه قلق وتردد.
تريستان تردد، مش متأكد لو كان جاهز يواجهها. ماذا لو شافت الوحش اللي صار؟ ماذا لو حسته مقزز؟
بس معدته قرقرت، وذكرته إنه لازم ياكل. أخد نفس عميق وعمل طريقه لتحت، حركاته كانت غريبة ومش متناسقة.
عيون لورا اتسعت وهو دخل المطبخ، نظراتها مثبتة على وجهه. "تريستان، يا إلهي..."
قلب تريستان نزل، متوقع إنها تصرخ أو تهرب. بس بدلاً من ذلك، هي اندفعت نحوه، دراعاتها مفتوحة على الآخر. "يا حبيبي، أنا آسفة جداً. ما كان عندي فكرة إن الوضع هيكون كذا."
عيون تريستان لسعت بدموع وهو يحضنها، حاسس بشعاع من الأمل. يمكن، بس يمكن، هو ما كان لوحده في هذا الشكل الوحشي.
"أمي، إيه اللي بيحصل؟" تريستان سأل، صوته يرتجف. "ليش تحولت إلى..." توقف، مش متأكد إزاي يوصف نفسه الجديدة، بعدين كمل، 'إلى هذا؟"
لورا ترددت، عيونها تتحرك في أرجاء الغرفة. "أنا..." ترددت، 'أنا ما أعرف، يا حبيبي. أنا آسفة."
إحباط تريستان زاد. "ما تعرفي؟ أنتِ أمي! المفروض يكون عندك إجابات!"
لورا تنهدت، كتوفها انحنت. "تريستان، أنا، أنا ما أعرف كل شيء عن ماضيك." هي فكرت بسرعة في شوية كذبات. 'أبوك وأنا، إحنا، إحنا ما كانت علاقتنا تقليدية."
عيون تريستان ضاقت. "إيه قصدك؟"
نظرات لورا نزلت، صوتها بالكاد همس. "قصدي، إحنا ما تقابلنا في ظروف طبيعية. وأنا ما أعرف كتير عن عيلتك."
عقل تريستان انهار. "إيه اللي بتخفيه عني؟"
عيون لورا لمعت بخوف. "ولا شيء، تريستان! أقسم!"
بس تريستان عرف إنها بتكذب. قدر يشوفها في عيونها المتجولة.
"قولي الحقيقة," هو طلب، صوته بيعلى.
وجه لورا اتعجن، وهي دارت، كتوفها بترتعش.
قلب تريستان نزل. إيه اللي كانت بتخفيه؟ وليش؟
"أمي، أرجوكي," تريستان قال، صوته بينكسر. "لازم أعرف الحقيقة. إيه اللي بيحصل معي؟ ليش تحولت إلى هذا، هذا الشيء؟"
كتوف لورا اترعشت أكتر، وهي غطت وجهها بإيدها. "أنا آسفة، تريستان. أنا آسفة جداً."
إحباط تريستان انفجر. "آسفة؟ آسفة مش كفاية! لازم إجابات!"
لورا أخدت نفس عميق ودارت عشان تواجهه، عيونها محمرة. "تريستان، أنا," هي ترددت قبل ما تكمل، 'أنا ما ولدتِ. لقيتك، كطفل. وربيتك كأني أمك."
عالم تريستان دار بيه. "إيه قصدك؟ أنتِ مش أمي الحقيقية؟"
وجه لورا تشوه في عذاب. "أنا آسفة جداً، تريستان. ما كنت أقصد أكذب عليك. بس لازم أحميك." هي قالت، لسه بتتجنب الحقيقة وبتنسج كذبات أكتر.
عقل تريستان انهار. "أحميني من إيه؟"
عيون لورا نزلت تاني، وهي همست، "من اللي ممكن يأذوك. من اللي خلقوك."
عيون تريستان ضاقت. "إيه قصدك؟ خلقوني؟"
بس لورا بس هزت راسها، عيونها بتمتلئ دموع. "مش هقول أكتر، تريستان. أرجوك، سامحيني بس."
ربما عنادها يساعد، هي فكرت.
قلب تريستان كان بيتسابق. ماذا كانت لورا تقصد؟ مين الناس اللي خلقوه؟ وإيه اللي يبغونه منه؟
غضب تريستان انفجر، وهو خبط قبضة يده على الطاولة. "قولي الحقيقة، لورا! مين أنا؟ من وين جيت؟"
لورا ارتعشت، عيونها واسعة من الخوف. "تريستان، أرجوك، بس اهدا."
بس تريستان كان بره نطاق العقل. هو مسك أكتاف لورا، وهو بيهزها. "قولي!"
وجه لورا كان أبيض، عيونها بتنتفخ. عارفة إنها ما تقدرش تتأخر أكتر، هي صرخت، "أوكي، أوكي! هقول لك الحقيقة الحقيقية دلوقتي! بس وقف!"
بشرة لورا الداكنة دلوقتي بدت بتترهل، مثقلة بعبء سرها الساحق. شعرها الرمادي بيبدو باهت وبلا حياة، زي حجاب عار ملقى على وجهها. عيونها البنية، اللي كانت زمان دافية وحنونة، دلوقتي بتمتلئ بدموع، ممتلئة بندم عميق اللي بيهدد بالفيضان. صوتها بيرتعش، همسة بالكاد مسموعة، كأن الكلمات نفسها سامة، بتسمم روحها بالظبط. "تريستان، أنا، أنا سرقتك," هي تتأتئ، الكلمات بتعلق في الهوا زي تحدي، زي قفاز ملقى، بيجرؤه يواجه الحقيقة.
إيدها، اللي كانت زمان مؤكدة ورعاية، دلوقتي بترتعش زي الأوراق، كأن أسس عالمها بتتفتت تحتها. هي غطت وجهها، كأنها بتهرب من العار، الذنب، الوزن الساحق لخداعها.
الهوا بيبدو إنه بيهتز بتوتر، ثقيل بالكلمات اللي ما قيلتش، الأسرار اللي فضلت مخفية لوقت طويل. وجود تريستان بيطل عليها، إتهام صامت، تذكير بالكذبة اللي عاشتها لوقت طويل.
تنفس لورا كان في شهقات قصيرة، كأنها بتغرق في ندمها. كتوفها انحنت، مهزومة، كأن وزن اعترافها بيسحقها. عيونها، اللي كانت زمان لامعة بالحب، دلوقتي خفت بالعار، نظرتها للأسفل، مش قادرة تواجه نظرات تريستان، كأنها مش مستحقة لمغفرته.
في تلك اللحظة، لورا كانت امرأة محطمة، واجهتها المبنية بعناية تحطمت، أسرارها بتنسكب زي الدم من جرح. هي وقفت قدام تريستان، متضرعة، بتطلب المغفرة، الفهم، فرصة عشان تكفر عن ذنوبها، عشان تصلح نفسها، عشان تعمل تعديلات للخيانة المطلقة.
قبضة تريستان اشتدت. "قولي!"
صوت لورا كان بالكاد مسموع. "سرقتك، تريستان. سرقتك من أمك اللي ولدتك."
عالم تريستان اسود. حس كأنه انضرب في بطنه.
فجأة، هو كان غاضب. هو رمى لورا في أرجاء الغرفة، وخبطها في الحيطة. "كدبتي علي! سرقتيني من أمي الحقيقية!"
لورا انهارت على الأرض، بتشهق. "كنت أحاول أحميك، تريستان! ما كنت أبغاك تعرف الحقيقة!"
غضب تريستان استهلكه. هو تقدم على لورا، قبضته مقبوضة. "ليش؟ ليش سرقتني؟"
صوت لورا كان بالكاد مسموع. "لأنه," هي تتأتئ، 'لأنه حبيتك. أبغاك لنفسي."
عقل تريستان انهار. ما قدرش يعالج اللي كان بيسمعه.