حرارة ذئب أثينا
في الوقت اللي دخلت فيه أثينا في هوا العصر البارد، ريحة التراب الرطب و إبر الصنوبر مليت ريتها، و رجعت صدى الاضطراب اللي كان بيتكون جواها. فهمها الجديد لماضي غابرييل المشاكل، صحّى بئر عميق من التعاطف، و حست برغبة ساحقة تتصل بيه. تتبعته لحدود الحزمة، وين الغروب خلى ضلال طويلة تتاخد في أرض الغابة. خشخشة الورق و طقطقة الأغصان تحت رجليها كانت بمثابة إعلان لطيف عن اقترابها.
غابرييل وقف طويل، نظراته الثاقبة بتفحص الأفق و هو بيتحرك على المحيط. كتفينه العريضين بدا وكأنهم بيرتاحوا شوية لما حس بوجود أثينا. قربت منه بابتسامة لطيفة، صوتها بالكاد أعلى من الهمس. "ألفا غابرييل، ممكن أجي معاك؟"
اتحولت عشان تواجهه، عينيه، زي النجوم اللي بتبدأ تلمع في سما الليل، بتنعم من حدتها المعتادة. إيماءة بسيطة دعتها عشان تمشي جنبه، الصمت بينهم بيتملي بسمفونية مخلوقات الليل اللي بتتحرك للحياة. ضوء القمر الفضي رسم نور أثيري على ملامح غابرييل، منور الخطوط الخافتة اللي محفورة على وشه - شهادة على الصعوبات اللي تحملها. قلب أثينا اتنفخ بالرحمة و هي بتنزل في الخطوة جنبه، الصوت المنتظم لخطواتهم على أرض الغابة كان مصاحب مريح لتفهمهم غير المنطوق.
في الوقت اللي مشوا فيه، الصمت بينهم بيكثف زي الضباب المسائي، صوت أثينا لطيف اخترق السكون. "إيرا شاركت قصتك معايا، يا غابرييل. أنا آسفة جداً."
نظرة غابرييل انحرفت ناحية الأفق، عينيه بتتلبد زي النجوم اللي بتحجبها الغيوم المتراكمة. صوته بالكاد ارتفع عن الهمس. "فقدان نينكس... دي جرح مش هيتشافى." الألم في كلماته علق في الهوا، ألم ملموس.
إيد أثينا لمست ذراعه، لمسة سريعة قالت حاجات كتير. صوتها كان نسيم لطيف في يوم صيف. "ممكن الشفاء ميكونش عن محو الألم، لكن التعلم إزاي تتعايش معاه."
عيون غابرييل اتعلقت في عيونها، بتدور على العزاء، على الفهم. الخطوط اللي على وشه بدت تتعمق، زي كأن وزن ذكرياته أثر عليه. في لحظة، العالم حواليهم داب، و خلاهم هما الاتنين بس، معلقين في بحر من التعاطف.
الغابة، اللي بتحس باضطرابهم العاطفي، ردت بلحن مريح: ورق بيتحرك، صراصير بتصوصو، و صوت البومة من بعيد. القمر، دلوقتي هلال فضي في السما اللي بتضلم، رسم نور لطيف على وجه غابرييل، منور الضعف اللي بيحاول يخفيه.
كلمات أثينا صحت حاجة جواه، لمحة من الأمل إنه ممكن، بس ممكن، يلاقي طريقة عشان يتخطى الظلام اللي طارده لفترة طويلة. في الوقت اللي مشيوا فيه جنب بعض، وزن عواطف غابرييل بدأ يخف، زي أول أشعة الشمس اللي بتخترق الظلام. وجود أثينا كان بلسم لروحه، بيهدي الوجع اللي استمر لفترة طويلة.
"منين هنبدأ؟" سأل غابرييل، صوته بالكاد أعلى من الهمس.
"بنبدأ بالذكريات." ردت أثينا، عينها مليانة بالرحمة. "شارك معايا اللحظات اللي حبيتها مع نينكس. الضحك، الدموع، اللحظات اللي خلت قلبك يغني."
عيون غابرييل اتقفلت، و خليط من الابتسامات و الحزن عدوا على وشه. "في ليلة... رقصنا تحت النجوم. نينكس كانت بتحب الأبراج، و أنا كنت بحب أشوفها بتلمع زي الألماس اللي في السما."
أثينا سمعت بانتباه، إيدها بتوصل عشان تلمس غابرييل برفق. "احكي أكتر."
في الوقت اللي قصص غابرييل اتفتحت، أثينا نسجت نسيج من الفهم، توجهه برفق من خلال متاهة حزنه. مع كل ذكرى مشتركة، الألم بدأ يتراجع، و اتحط مكانه إحساس بالحنين و القبول.
رحلتهم أخدتهم لأماكن كانت بتحبها نينكس، وين غابرييل يقدر يعيش لحظات سعيدة و يواجه ألم الفقدان. أثينا وقفت جنبه، وجود مستمر و مطمن، و هو بيواجه الظلال اللي كانت بتطارده.
في اليوم اللي بعده، في الوقت اللي وقفوا فيه قدام أفق مرسوم عليه غروب، غابرييل اتحول لأثينا، عينيه بتلمع بالدموع. "أنا بحس بيه." قال، صوته بيرتعش. "أنا بحس بالوزن بيتشال. الذنب، الحزن... لسه موجود، لكن مبقاش بيخنقني."
ابتسامة أثينا كانت نسيم لطيف في يوم صيف. "أنت بتلاقي سلام يا غابرييل. و أنا بتشرف إني أكون جنبك."
نظرة غابرييل اتعلقت في نظراتها، و لأول مرة، شاف أثينا، شافها بجد، من غير حجاب ذكرى نينكس. شاف اللطف، الرحمة، و الحب اللي كان موجود طول الوقت.
"أثينا" همس، قلبه بينبض بإحساس جديد بالأمل. "أنا فاكر إني ببدأ أشوف مستقبل، مستقبل فيه إني ممكن أحب تاني، و فيه إني ممكن أكون كامل."
عيون أثينا لمعت، و مسكت إيده، لمستها ولّعت إحساس بالإمكانية. "رفيقتك هناك أصلاً يا غابرييل. هي بتستنا عشان تقابلها؛ بقلب مفتوح."
جلسة أثينا مع غابرييل لسه متعلّقة في دماغها زي ريحة الدخان القديم. بتدور على العزاء، طلبت عيادة زيفير، ريحتها المألوفة من الأعشاب و العلاجات الأرضية بلسم مريح لأعصابها المتوترة.
في الوقت اللي فتحت فيه الباب، موجة مفاجئة من الشوق الشديد غمرتها، زي المد اللي بيصطدم بالشاطئ. قلبها دق بسرعة، و جلدها اتوخز بالحرارة.
"أثينا، إيه اللي حصل؟" سأل زيفير، القلق محفور على وشه زي خطوط رفيعة على ورق.
خدود أثينا احمرت، بتتحرق بنار شكلها بيتوزع في عروقها. "أنا... أنا مش عارفة. أنا بحس بـ..." صوتها وقف، ضاعت في دوامة العواطف المتدورة.
عيون زيفير ضاقت، نظراته بتخترق. "ريحتك بتتغير. أنتِ بتمرّي بحرارة الذئب."
رعب أثينا طلع زي حيوان بري، مخالبه بتتعمق في صدرها. "إيه؟ لأ، مينفعش يكون كده. تريستان بعيد..." صوتها بيرتعش، الكلمات بالكاد مسموعة.
في الوقت ده، إيلارا، رفيقة لوكاس و تلميذة زيفير، انفجرت في الأوضة، وجودها زوبعة من الطاقة. "أثينا، حسيت بضيقك. إيه اللي بيحصل؟" سألت إيلارا، صوتها ناعم و مريح.
زيفير رجع لورا، سامح إيلارا عشان تسيطر، عينها عمرها ما سابت وش أثينا. إيدين إيلارا اتلفت حوالين إيدين أثينا، دافيين و مطمنين.
"تنفسي، يا أثينا،" همست إيلارا. "هنعدي ده سوا."
ريحة خشب الصندل و الفانيلا بتطلع من جلد إيلارا، بتهدي أعصاب أثينا المتوترة. لكن تحت الرائحة المريحة، ذئب أثينا بيتحرك، وجوده قوة بدائية، بتنبض، بتهدد إنها تستهلكها.
"تريستان لازم يعرف" همست إيلارا. "لازم يرجع فوراً."
أفكار أثينا بتتلخبط. "بس غابرييل... و النظام..."
تعبير إيلارا اتحول لعزيمة. "رفاهيتك بتيجي في الأول. تريستان هيحميكي."
جبين إيلارا عبس. "مش ممكن نوصل لتريستان، لكن مش ممكن نأخر أكتر. حرارة الذئب مش هتستنى."
زيفير هز رأسه بجدية. "أنا درست العلاجات القديمة. فيه طقوس بتهون الأعراض."
عيون إيلارا لمعت. "التوازن الليلي! أنا قرأت عنه."
زيفير أشار. "اجمعوا الأعشاب: شاي العرعر الفضي، بتلة القمر، و عشب الذئب."
إيلارا بسرعة جمعت المكونات في الوقت اللي زيفير بيجهز فيه مكان الطقوس.
توتر أثينا زاد، لكن صوت زيفير الهادي طمنها. "ده هيساعد يا أثينا."
الطقوس بدأت، صوت إيلارا المريح بينسج تعويذة مهدئة و هي بتردد كلمات قديمة. زيفير ولّع الأعشاب المقدسة، ريحتها النفاذة بتطلع دخان عطري بيلف حوالين أثينا. الهوا زاد سمكه بالترقب.
ضباب مريح، تقيل بريحة البابونج و اللافندر، غلف أثينا. حست بحرارة الذئب بتبدأ تتراجع، قبضتها النارية بتهون. ارتجافها قل، و اتحط مكانه إحساس بالهدوء.
في الوقت اللي الطقوس خلصت، رئات أثينا اتملت بنفَس عميق و منظف. "شكراً" همست، صوتها بالكاد مسموع.
ابتسامة زيفير الدافئة ريحتها. "أنتِ في أمان دلوقتي. التوازن الليلي هيستمر لحد ما تريستان يرجع." كلماته كانت بلسم مطمن.
إيلارا ادت أثينا كيس صغير معمول من جلد الغزال الطري. "احملي ده معاكي. الأعشاب اللي جواه هتساعد في السيطرة على الأعراض." صوابع أثينا لمست إيدين إيلارا و هي بتقبل الهدية.
الامتنان اتنفخ جوا أثينا، قلبها مليان. "أنا مدينالكم الإتنين" قالت، صوتها متشكّل بالعواطف. وزن دعمهم و رعايتهم استقر حواليها زي عباية حامية.
عيون زيفير اتجعدت. "أنتِ من عيلتنا يا أثينا. احنا موجودين عشانك." إيلارا هزت راسها، تعبيرها بيعكس حرارة زيفير.
في اللحظة دي، محاطة بوهج الشموع اللطيف و ريحة الأعشاب المريحة، أثينا حست بقوة حزمتها. رابطتهم هتشيلها من خلال المحن اللي قدامها.
زيفير و إيلارا تبادلوا نظرة عارفينها. رابطتهم زادت قوة، شهادة لصداقتهم اللي مبتتكسرش. يا ريت بس تريستان يقدر يجري و يطالب بأثينا.