لورا
عيون لورا تطلّعتْ من النافذة، و عقلُها يذهبُ إلى اليوم الذي تغيّرتْ فيه حياتها إلى الأبد. كانتْ ممرضةً، مخلصةً لعملِها، لكنّ حياتها الشخصية كانتْ قصةً أخرى. عشرُ سنواتٍ من الزواج، لكنْ لا أطفال. ألم العُقمِ كان قد طردَ زوجها، إلى أحضانِ امرأةٍ أخرى. الذكرى لا تزالُ تؤلم، لكنّ لورا قد تقبّلتْ مصيرها منذُ زمنٍ طويل. أو هكذا ظنّت.
عيون لورا غَشَتْ، و عقلها انزلقَ إلى الماضي. كانتْ ممرضةً، تعملُ في نوبةِ الليل في مستشفى مزدحم. لكنّ عقلها لمْ يكنْ مع مرضاها، كان مع أحلامها الفاشلة.
"عقيم"، صدى صوتِ الطبيب في عقلها. "أنا آسفٌ جدًا، لورا. لنْ تكوني قادرةً أبدًا على إنجابِ الأطفال."
عشر سنواتٍ من المحاولة، عشر سنواتٍ من خيبةِ الأمل. زوجها، جون، كان قد ابتعد، و عيناه تذهبُ إلى نساءٍ أخريات.
"لا أستطيعُ فعلَ هذا بعدَ الآن"، قالَ، و صوتُه بارد. "أنا بحاجةٍ إلى شخصٍ يمكنُه أنْ يمنحني عائلة."
شعرتْ لورا بألمٍ في صدرها، مزيجًا من الحزنِ و الغضب. فكّرتْ في كلّ المراتِ التي أمسكتْ فيها بأطفالِ أصدقائها، و في كلّ المراتِ التي حلمتْ فيها بأنْ تكونَ أمًّا.
عيون لورا تطلّعتْ من النافذة، و عقلها يذهبُ إلى اليوم الذي ووجدتْ فيه أمّ تريستان. كانتْ تعرفُ كيف بدتْ في تلك الليلة. بشرة لورا الداكنة، التي كانتْ ناعمةً و خاليةً من الخطوط، كانتْ تحملُ تجاعيدَ خيبةِ الأمل و اليأس. شعرها الأسود، الملطّخ بالرمادي، يبدو أنه يضعفُ عينيها البنيتين، اللتينِ كانتا تلمعانِ بالدفءِ و التعاطف.
زيّها الرسمي كممرضةٍ، الذي كانَ في وقتٍ من الأوقاتِ نظيفًا و لامعًا، يتدلّى فضفاضًا، و هو انعكاسٌ لفقدانِها للإحساسِ بالهدف. يديها، اللتانِ كانتا ماهرتين و مغذّيتين، ترتعشانِ من الإحباط، كما لو أنهما تتوقانِ إلى احتضانِ طفلٍ لمْ يأتِ أبدًا. عيون لورا، المحمرة من قلةِ النوم، خانتْ حزنًا عميقًا، إحساسًا باليأس الذي هددَ باستهلاكِها. ابتسامتها، التي كانتْ في يومٍ ما بلسمًا لطيفًا لمرضاها، الآن تتردد، و هي لفتةٌ نادرةٌ و قسرية. صوتها، الذي كانَ في يومٍ من الأيامِ ناعمًا و مهدئًا، تشقّقَ بالعاطفة، كما لو أنَّ الكلماتِ نفسها كانتْ مؤلمةً للنطقِ بها. تحركاتها، التي كانتْ في يومٍ من الأيامِ واثقةً و هادفةً، بدتْ مترددةً، كما لو أنها غيرُ متأكدةٍ من اتجاهها.
إحباط لورا كانَ شيئًا ملموسًا، كيانًا حيًّا يتنفس، التفَّ حولَ قلبها، و ضغطَ عليه بقوة. عُقمها، تذكيرٌ مستمرٌّ بفشلِها، نهشَ روحَها، و تركها تشعرُ بالفراغِ و الخواءِ و عدمِ الإنجاز. في تلك اللحظة، كانتْ لورا امرأةً على الحافة، تترنّحُ بين اليأسِ و القنوط، و عيونها تفحصُ الأفقَ بحثًا عن بصيصِ أمل، فرصةٍ لتعويضِ أحلامها الضائعة و إيجادِ هدفٍ جديدٍ في الحياة.
لقد شرعتْ في رحلةٍ بلا عودةٍ في ذلك اليوم، جاهزةً لإنهاءِ حياتها التي لا معنى لها. زوجُها الحبيبُ منذُ عشرِ سنواتٍ كان قد قدّمَ لها إشعارَ الطلاق، بعدَ أنْ أنجبَ طفلًا من امرأةٍ أخرى. أمُّ زوجها رحّبتْ بسرورٍ بتفويضها للتوقيعِ على أوراقِ الطلاق، و التي فعلتْ لورا في النهاية. كانتْ هي الملامةُ على عُقمها. لقد ساعدتْ العديدَ من النساء على إنجابِ أطفالهنَّ إلى العالم، لكنها لمْ تجلبْ طفلًا إلى العالمِ بنفسها.
قادتْ لورا سيارتها نحو غابةٍ كثيفةٍ، كانتْ تعرفُ أنَّ هناك جرفًا مخفيًّا في مكانٍ ما هناك. كانتْ خريطةُ المنطقة قد أعطتِ التفاصيل، محذّرةً السيّاحَ من ذلك الموقع. شعرتْ أنَّ ذلك سيكونُ مكانًا مخفيًّا لتنفيذِ خطتها. غادرتْ من العمل، بعدَ زيارةِ بعضٍ من مرضاها الخاصّين و لا يزالُ لديها بعضُ موادِّ التوصيل في سيارتها. عادةً، كانَ من المفترضِ أنْ تعودَ إلى المنزل، و تسقطَ الموادَّ، و تنظّفَ سيارتها و تأخذَ حمامًا. لكنْ ما الذي يهمّ؟ كلُّ تلك الأشياء لمْ تعطها طفلًا. هلْ سيهتمُّ الموتى بمثلِ هذه الأشياء؟ كانتْ مكتئبةً، و فكرتها الوحيدة هي إنهاءُ حياتها البائسة. لقدْ نسيتْ تمامًا أنَّ عدمَ الإنجابِ ليسَ نهايةَ العالم. كانَ تدريبها حولَ مدى قيمةِ الحياةِ الإنسانيةِ قد تهربَ منها في تلك اللحظة.
"الحياةُ الإنسانيةُ ثمينةٌ جدًّا، للهِ و للبشرية"، كانَ أستاذُها قد علّمَهم حينها.
"لا ينبغي لأيِّ شخصٍ عاقلٍ أنْ ينهيَ حياته. هلْ تعلمونَ حتى ما هو المصيرُ العظيمُ الذي لا يزالُ لديكُمْ؟ أبدًا، أبدًا، لا تنتحرْ."
هذه الكلماتُ بطريقةٍ ما ووجدتْ طريقها مرةً أخرى إلى قلبِ لورا في تلك اللحظة، و فكّرتْ في التخلّي عن مهمةِ الانتحارِ الخاصةِ بها. كانَ ذلك عندما رأتها. شابةٌ، تبكي من الألم، و تمسكُ ببطنها. اندفعتْ غريزةُ لورا، و هرعتْ إلى جانبِ المرأة.
"أرجوكم"، لهثتِ المرأة. "ساعدوني."
استولى تدريبُ لورا كممرضة، و قامتْ بتقييمِ الموقفِ بسرعة. كانتِ المرأةُ في المخاض، و قد فاتَ الأوانُ لإحضارها إلى المستشفى. ضاعفتْ معدتها المنتفخة، و وجهها متجعّد.
"ما اسمُكِ؟" سألتِ المرأةَ التي تلهث.
"كاثرين"، أجابتْ قبلَ أنْ تخضعَ لنوبةٍ أخرى من الانقباضات.
بشرة كاثرين الشاحبة تلمعُ بلمعانٍ رقيقٍ من العرق، و شعرها البنيّ متشابكٌ و متشعّثٌ، يلتصقُ بجبهتها مثلَ حجابٍ رطب. عيونها الخضراء، التي كانتْ في يومٍ من الأيامِ مشرقةً و مليئةً بالحياة، تلبّدتْ بالألم، و أطفأَ بريقَها عذابُ الانقباضات. جسدها الرشيق، الذي كانَ في يومٍ من الأيامِ قويًّا و مرنًا، التوى و انحنى، و هو يترنّحُ في رقصةِ الولادةِ البدائية. تنفّسُها يأتي في شهيقٍ قصيرٍ و حادّ، كلُّ زفيرٍ هو محاولةٌ يائسةٌ لإطلاقِ الضغطِ المتراكمِ بالداخل.
أرضيةُ الغابة، الرطبةُ و القاسيةُ، ضغطتْ على ظهرها، و هي شاهدةٌ باردةٌ و صلبةٌ على صراعها. الأشجارُ تتصاعدُ أعلاه، و أغصانها تصدرُ صوتًا، و هي نغمةٌ تطاردُ صراخها الخاصَّ من الألم.
يدَا كاثرين، اللتانِ كانتا في يومٍ من الأيامِ لطيفتين و مغذّيتين، أمسكتا بالهواء، و بحثتا عن حبلِ نجاة، و اتّصالٍ بشيءٍ ما، أيِّ شيءٍ، يمكنُه أنْ يثبّتها بالواقع. أصابعُها، التي كانتْ بارعةً و مؤكّدةً، ارتعشتْ و تعثّرتْ، مثلَ أوراقِ الخريفِ في العاصفةِ الهوجاء. صوتها، الذي كانَ في يومٍ من الأيامِ ناعمًا و مهدئًا، ارتفعَ إلى صرخةٍ بدائيةٍ، صرخةٍ خامٍ و مُعذَّب، حطّمتْ سكونَ الغابة. النبرةُ نسجتْ عبرَ الأشجار، صدى يطاردُ يبدو أنّه يستدعي لورا، ملاكًا حارسًا، إلى جانبها. في تلك اللحظة، كانتْ كاثرين امرأةً مُمزَّقةً، جسدها ساحةَ معركةٍ، و روحها شعلةً تومضُ في الظلام، و ترفضُ أنْ تنطفئ. بينما ساعدتِ الشابةَ على الولادة، رأتْ لورا الخوفَ و اليأسَ في عينيها.
هذه الفتاةُ المسكينةُ الوحيدةُ مباركةٌ بالحمل، على عكسي. فكرتْ لورا و هي تساعدُ كاثرين.