بيت جميل
قبل ما يرجع لـ المعهد، تريستان غيّر طريقه للعاصمة، الشوارع المرصوفة بالحصى اللي بَليانة ودته لملاذ مألوف. دور على لورا، أمه البشرية، الست اللي حبها وحنانها ربّوه وهو صغير. وهو بيقرب من بيتها، بيت جميل بواجهة من الطوب وعليه زينة من اللبلاب، و الشبابيك بتلمع، ذكرياته طفت في دماغه كإنها موجة عاتية.
ريحة الورد البلدي فاحت من الجنينة، وديته لظهيرة صيف قضاها بيلعب استغماية بين الشُجيرات. صوت ضحك الأطفال، ضحكه هو وضحك غيره، ردّد في أفكاره، وهو بيتخلط مع الريحة الحلوة.
تريستان هدّى خطواته وهو بيوصل لـ عتبة الباب، وإيده مترددة على مقبض الباب النحاسي. الذكريات هاجمته: أحضان دافية في الصبح البارد، لحظات حنين وهو بيحكي حكايات جنب المدفأة، و أيام الأحد الكسولة اللي قضاها بيقرأ سوا.
الباب الخشبي صوّت وهو بيتفتح، وتريستان دخل للصالة، وهو محاط بريحة الكتب القديمة و توابل الخَبز اللي بتريح. بصته سرحت، بيشرب من الأجواء المألوفة: ساعة الجد اللي بتدق في الزاوية، النسيج اللي لونه باهت متعلق فوق الكنبة، و أرضية الخشب اللي بتلمّع و بتعكس نور الشموع الخافت.
صوت ناعم نادى من الصالون، "مين هناك؟" صوت لورا، دافئ و حنون، ناداه.
قلب تريستان اتملى مشاعر وهو بيدخل الصالون، عيونه بتقابل عيون لورا. وشها، اللي فيه تجاعيد من السن و الخبرة، لسه بيشع حب و حنان. راح عليها بسرعة، وحضنها حضن حنين.
"يا أمي،" همس، وحاسس بنعومة شعرها، و دفى بشرتها، و ضربات قلبها قصاد صدره.
في لحظة خاطفة، مخاطر و أسرار النظام اختفت، و اتحط مكانها مباهج البيت و العيلة البسيطة. تريستان تمسّك بإحساس السلام ده، و بيقدّر دفى حب أمه، قبل ما الواجب والمسؤولية نادوه يرجع للظلال.
خبطة تريستان على الباب تبعها لحظة ترقب قبل ما الباب يتفتح، و يكشف عن ابتسامة لورا المشرقة. عيونها وسعت، و بتبرق من الفرحة، و الدموع بتتحبس، و بتهدّد إنها تَنزل.
"تريستان! يا ابني!" هتفت، و صوتها بيرتعش من المشاعر.
في حركة واحدة، تريستان اتقدم، و حضنها حضن دافئ و حنين. دراعات لورا لفت حواليه بإحكام، و مسكته قريب كإنها مش هـ تسيبه تاني.
"يا ماما، وحشتيني،" تريستان همس، و صوته مكتوم قصاد كتفها.
إيدين لورا احتضنت وشه، و لمستها دافية و حنونة. بصت عليه، و بتشرب من كل ميزة فيه.
"كبرت و بقيت راجل قوي، و شكله حلو،" قالت، و صوتها مليان فخر و حب. "أنا فخورة باللي بقيت عليه."
عيون تريستان اتعلقت في عيونها، و قلبه اتملى مودة. حس بدفى حبها، و راحة وجودها.
"أنا كمان وحشتيني يا ماما،" كرّر، و صوته بالكاد بيطلع همس.
وهما ماسكين في بعض، العالم بره اختفى، و ساب بس هما الاتنين، متعلقين في لحظة فرحة خالصة، غير مشوبة.
دموع لورا أخيراً نزلت، و نزلت على وشها، بس ابتسامتها عمرها ما اتغيرت. عيون تريستان كمان قرّصته، بس ابتسم، وحاسس بعمق الرباط بينهم.
في اللحظة دي، ولا حاجة تانية كانت مهمة – لا مخاطر النظام، ولا حتى تحديات المعهد، ولا الأسرار اللي بيخفيها. بس الحب اللي بيشاركوه، خالص و ثابت.
تريستان شارك حكايات عن مغامراته، و تجاهل التفاصيل الخطيرة. لورا سمعت، و عيونها بتلمع حب و فخر، وهو بيتكلم عن مناظر طبيعية بتخطف الأنفاس، و ناس مثيرين للاهتمام، و اكتشافات مثيرة.
ضحكت على الحكايات المضحكة و كشّرت حواجبها بقلق في اللحظات الصعبة. الأوضة كأنها اختفت، و سابتهم بس هما الاتنين تايهين في عجب حكاياته. النار طقطقت و فرقعت، و بتلقي نور ذهبي على الأوضة. بره، النجوم بدأت تلمع في سماء الليل، بس جوّه، تريستان و لورا كانوا تايهين في عالمهم الصغير.
وقت ما الليل طوّل، حكايات تريستان هديت، و عيون لورا بقت ضبابية. "وحشتني قوي،" همست، و صوتها بيرتعش.
تريستان قام، و ركع جنب كرسيه، و لف دراعاته حواليها. "أنا كمان وحشتيني يا أمي،" رد، و هو ماسكها قريب.
في اللحظة دي، كانوا مجرد أم و ابن، مرتبطين ببعض بالحب و الذكريات المشتركة، مخاطر و أسرار العالم منسية مؤقتاً.
قبل ما يودّعوا بعض، تريستان ادى لـ لورا علبة خشبية صغيرة، منحوتة بتعقيد، و مزينة برموز حماية و حب دقيقة.
"هدية من أثينا، صاحبتي... حبيبتي،" شرح، و عيونه دافية بالمودة. "عشان تحميكي."
صباعين لورا بيلفّوا حوالين الرموز، و لمستها بتحترم. "دي جميلة،" همست.
العلبة كأنها بتشع طاقة لطيفة، من عالم تاني، كإنها مليانة بحب و نوايا أثينا.
عيون لورا ارتفعت، و بتلمع من الامتنان. "هـ أقدّر دي، تريستان. اشكر أثينا بدالي."
تريستان ابتسم. "حاضر. بتهتم بيكي أوي يا أمي."
إيدين لورا احتضنت العلبة، و مسكتها قريب من قلبها. "ارجع قريب يا تريستان. هـ أخلي دي في الأمان، و أنا كمان، لـ حينها."
هزّة راس تريستان كانت حاسمة. "هـ أرجع في أقرب وقت ممكن. خلي بالك على نفسك."
بحضن أخير، حنين، تريستان مشي، و ساب لورا محاطة بدفى و أمان العلبة الخشبية، و الحب اللي خلقها.
وقت ما تريستان مشي بعيد عن بيت البلدة، بص وراه، وشاف لورا واقفة في الباب، العلبة في إيدها بإحكام، منارة أمل و حماية في نور اليوم اللي بيتلاشى. بقلب تقيل، تريستان لف عشان يسيب العاصمة، دفى شمس الليل اللي بيتناقض مع برودة التوقع اللي جواه. المعهد كان في انتظاره، مع أسرار و كشوفات بتُهدد إنها تفرّق عالمه.
بس أفكار تريستان اتوقفت فجأة بغيبوبة حادة و مفاجئة وراه. لف على طول، و القلق اتحوّل لـ ذعر وقت ما عيون لورا رجعت لورا، وجسمها بيتأرجح بشكل خطر.
"يا ماما!" تريستان صرخ، و بيجري عشان يلحقها وقت ما وقعت.
شالها، و حاضن جسدها المرن في دراعاته، و جري ناحية المستشفى، و قلبه بيجري بخوف.