52. عندما تتردد الذكريات
عدى أسبوع، و جروحي كلها شفيت.
قدرت أرجع لأشغالي؛ رجعت للغابات والتلال ورا القصر. بس مرة ثانية، تفاديت إيليا.
من وقت حادثة إطلاق النار، إيليا بالكاد كان موجود بالقصر. أغلب وقته كان بالقلعة. ما كنت أعرف وش يسوي هناك، بس غالبا كان يراقب الحراس عشان يحل المشكلة.
نزلت تحت، و نيتي أروح للمطبخ، بس طحت بـ كات بالردهة. شكلها كانت مرهقة من مفارش السرير اللي كانت شايلتها.
"الملكة ديليلة،" سلمت علي بابتسامة.
"من وين جيتي، كات؟"
"توّي خلصت تغيير مفارش السرير بغرفة الملك إيليا، و الحمدلله، بالوقت المناسب." طلعت تنهيدة ارتياح. "الملك إيليا بيرجع للقصر قريب، عشان كذا كان لازم أرتب غرفته بسرعة."
"بيرجع؟"
ما حسيت بالسعادة. بالرغم من إني حسيت بالشوق، حاولت أمنعه.
جانبي المظلم همس: ليش تشتاقين لشخص حتى ما يعترف بوجودك؟
مهما كان إيليا طيب أو لطيف، كان بس يستخدمني.
"لازم إنك مشتاقة له مرة، صح؟" كات احمرّ وجهها. "اصبري، يا ملكتي. ملكك بيرجع للبيت قريب."
بلعت بصعوبة. كان لازم ألقى عذر عشان ما أواجه إيليا اليوم.
...
تجنب إيليا كان مستحيل. لما رجع، كان وقت العشا تقريبا، و ما كان عندي خيار غير إني أنضم له بغرفة الطعام.
أكلنا سوا، بس إحنا الاثنين، و حسيت بإحراج.
"آسف، كنت مشغول جدا الفترة الأخيرة. كيف حالك؟" سأل إيليا، و عيونه عليّ.
هزيت راسي بسرعة. "أنا بخير."
"في شي غلط؟ جالسة قدامي كأننا غربا."
"مو كذا إحنا؟"
إيليا نزل ملعقته و نظر إليّ. ما قال ولا كلمة كأنه يبي يراقبني. حسيت كأنه يدور على شي كنت أخفيه بقلبي، بس رفضت إني أخليه يلقاه.
"ديليلة،" صار صوته حازم. "ما أحب الطريقة اللي تتكلمين فيها."
"وش قلت؟"
اتسعت عيونه. "تسخرين مني؟"
أخذت منديل و مسحت شفايفي. "خلصت أكل."
"اجلسي، و لا تهربي من سؤالي!"
جسمي مباشرة انهار للكرسي، أرتجف. إيليا بدا غاضبا. قدرت أحس بتنفسه الثقيل و الهالة المسيطرة اللي كان يعطيها.
"وش فيك؟" سأل بنرفزة.
"ليش ما تقول لي، يا ملكي؟ عن الماضي."
"وش ماضي؟"
"إن كاثرين انصابت كمان بوقت الصيد."
إيليا سكت و تنهد بهدوء قبل ما يناظرني مباشرة. "ليش يهم؟"
ترددت لأقول إنه ضروري لأن إيليا كان يبي يعرف أسبابي. بس لو قلت إنه ما يهم، كان بيجبرني أكشف الحقيقة.
"إيه، مهم،" هزيت راسي.
"أوه؟ و ليش يهمك؟"
"لأني أحس إن اهتمامك فيني ينبع من إنّي أذكرك فيها، في كاثرين."
"وش؟"
جسمي كله حسيت كأنه انضرب بصاعقة - مؤلم و صادم. إيليا وقف فجأة و مسح كل شي عن الطاولة، و أرسله يتحطم على الأرض. ظل أسود بدا يلوح وراه، و لاحظت إن عيونه بدت تشتعل باللون الأحمر.
"كيف تجرؤين!" زمجر إيليا، و أسنانه تطحن ببعض.
كل ما زاد غضبه، كل ما زدت عانيت. ما قدرت أتحمل غضبه، و جسمي انهار على الأرض. حبست أنفاسي و شهقت لأن الخوف و الألم غمروني.
"ما تعرفين عنّي شي، ديليلة،" صرخ إيليا قبل ما يندفع خارج غرفة الطعام، و أخيرا حررني من قبضته.
سعلت بعنف و شهقت عشان الهواء. العمة ديسا و فينسنت اندفعوا من الباب.
"أوه، يا عزيزتي،" بكت العمة ديسا.
"الملكة ديليلة، أنت بخير؟" سأل فينسنت بقلق.
ساعدوني أوقف على رجولي و قادوني لغرفتي. قدرت بس أبكي بهدوء. قول الحقيقة بس خلى الأمور أسوأ. إيليا ما قدر يتقبل كلامي و رد بغضب بداله.
"وش كنتي تفكرين فيه، ديلي؟ ليش تثيرين الملك إيليا؟" همست العمة ديسا.
"بس كنت أبي الحقيقة،" تشهقت بهدوء.
"حتى و إن الملك إيليا هو رفيقك، هو لسه ملك، ديلي. لازم تفكرين بعقلانية،" قالت العمة ديسا بتلميح عتاب. "أكره أشوفك كذا، بس لازم تتذكرين مع مين تتعاملين. ما تقدرين تكونين وقحة مع قائدك."
فتح فينسنت الباب لما وصلنا لغرفتي، و شكله كان قلقان جدا.
"بأتكلم مع الملك إيليا. إن شاء الله، مزاجه هدي،" قال فينسنت.
"شكرا، بيتا فينسنت. ياريت توصل اعتذاراتنا،" ردت العمة ديسا.
هز فينسنت راسه قبل ما يقفل الباب وراه. العمة ديسا و أنا جلسنا على حافة السرير. هي ربّت على شعري، و انفجرت بنوبة بكاء ثانية.
"ما أقدر أتحمل هنا. بس أبي أروح، عمتي،" تمتمت.
"لا تفكرين بتهور، ديلي."
"بأجن لو لازم أبقى بجانب الملك إيليا بينما هو متمسك بماضيه."
"وش تقصدين، ديلي؟"
تنهدت بعمق، مترددة أشارك، بس في النهاية، قلت لها عن الذئاب الملكية و وش صار لكاثرين. العمة ديسا سمعت بدون ما تقاطع، بس كانت تناظرني بتركيز.
"بس أنت رفيقة الملك إيليا، ديلي. حتى لو عنده مشاعر لشخص بالماضي، لو إنك مستقبله، ما بيتجاهلك،" قالت العمة ديسا.
تعتقدين إني لازم أكون صامتة بينما إيليا يستخدمني كجسر لذكرياته فيها؟
"هالمشاعر بتظل، ديلي. سواء تم الاعتراف بها أو لا، شخص كان يعني لنا شي، دائما بيكون له مكان بقلوبنا."
"..."
"بس الماضي شي ما نلاحقه. يبقى وراينا. لأن عندنا شخص أفضل بالحاضر،" كملت العمة ديسا. "و أعتقد إن هذا اللي الملك إيليا يحسه اتجاهك."
أعطيت ابتسامة مُرة. "لو كان هالشي صحيح، ليش ما يكلمني بهدوء؟ ليش لازم يغضب؟"
"لو اتهمتي إنك لسه تفكرين بـ جيريمي، ما بتغضبين؟"
هزيت كتفي. "أبدا ما أفكر فيه."
"أنا أسألك لو اتهمتي. بتغضبين، صح؟ حتى لو قدرتِ تمسكين نفسك."
"إيه، غالبا."
ابتسمت العمة ديسا. "جرحتي قلب الملك إيليا. طبيعي إنه يغضب، ديلي."