الفصل 79: بدايات جديدة
عيون إنزو كانت مليانة مزيج من الغضب والحزن، وشيء غريب كمان، زي حماس معتدل. هو بص عليّ. شعره والجاكيت الجلد بتاعه كانوا مبلولين من المطر، بس ما كانش بيبان عليه إنه فارق معاه.
"ممكن نتكلم؟" قالها.
"أه، أكيد" رديت بحذر، وبصيت فوق كتفه عشان أشوف بنتين خارجين من مبنى تاني، وباصين علينا، أكيد بيجهزوا نفسهم عشان يبدأوا كلام تاني عن إني بلعب بـ إنزو أو حاجة. "أنت كويس؟"
"بابا" قالها، وهو بيلف وبيمشي معايا، وهو مش مهتم بالبنات. كان رافع الهودي بتاعه عشان يحمي نفسه من المطر، بس ما كانش بيفيد أوي، فمديت له شمسيتي.
روحنا براحة لمكان خاص في زُقاق بين ساحة الهوكي والمبنى اللي فيه ملاعب كرة السلة الداخلية، حيث ما حدش حيشوفنا بنتكلم ويبدأ إشاعات أكتر. كان كمان، في الحقيقة، المكان اللي أنا و جاستن كنا بنتقابل فيه سرّاً لما كنا لسه مع بعض. وجودي هنا للحظة خلاني أتساأل إذا كان جاستن كويس.
"و كريسنتس، و فولمونس..." إنزو كمل. "و رونان، وبابا رونان، والعميد..."
"استنى" قلت، وأنا ببص عليه من مكاني بتعبير مستغرب على وشي. "حاجة حاجة. إيه بتحاول تقوله لي؟"
إنزو تنفس الصعداء، وعدى إيده في شعره المبلول. "طيب، بابا اتصل بي في البيت أمس. لما وصلت، كان كأنه اجتماع بينهم كلهم. رونان وباباه كانوا هناك. هما الاتنين كريسنتس. وعلى ما يبدو، عملوا صفقة بين كريسنتس و فولمونس، وهم حيسووا الحرب دي ببطولة هوكي، من بين كل الأشياء!"
عبست ورفعت إيدي في شعري. "دي حاجة كويسة، مش كدة؟" سألت. "مافيش قتال ولا سفك دماء."
"بالنظرية، أيوة" إنزو رد. اتسند على جانب المبنى، وفضل واقف هناك ورأسه نازل لحظة قبل ما يشيل نفسه عن الحيطة ويبدأ يتمشى في المطر. "مش عارف إذا كانت حتشتغل بجد، بس فضلوا يتكلموا عن إن الفصائل لازم تاخد منهجية حديثة أكتر للموضوع كله..." رفع إيديه وعمل علامات تنصيص في الهوا بصوابعه. "قالوا "إحنا رجال أعمال. خلينا نكون متحضرين في الموضوع ده،" بس... مش عارف. حاسس إن كله للعرض. حاسس إن كريسنتس حيعملوا حاجة شريرة أكتر بكتير من اللعب في بطولة هوكي، وبابا بيعمل غلط. ده غير أي حاجة رونان بيعملها. أنت عارفة، هو قال لي في السر إن باباه ما يعرفش عن الصفقة اللي تخصك، وطلب مني أخلي الموضوع كدة."
"أو" قلت، وانا بمشي لـ إنزو، واخترت تجاهل الجزء بتاع صفقة رونان مع الست الغامضة، "هم صادقين، وبيحاولوا بصدق يحلوا خلافاتهم من غير ما يحطوا أي حد في خطر."
إنزو هز رأسه، ولف على كعبه، ومشي بعيد للحظة ناحية حافة الزقاق. فضل واقف هناك شوية، بيبص على المطر، قبل ما يلف تاني ويواجهني.
"أنا مش بثق في رونان" قال بصوت واطي. "مش بثق فيه ولا في أبوه، ومش حابب الموضوع ده مع الست الغامضة اللي بتحاول تمسكي. ممكن نكون مجرد أصحاب، نينا، بس ده مش معناه إني مش قلقان عليكي لأقصى درجة."
كلمات إنزو ضربتني زي طن طوب، وخليت قلبي ينط في صدري. إني اسمعه بيتكلم عني كدة خلاني ألين ناحيته، بس منعت نفسي من إني أتعلق أوي بالمشاعر دي.
"طيب، قول لباباك" قلت. "مش بتحس إنه لازم يعرف كل ده؟ يمكن يساعدنا."
بصيت بفضول إنزو وهو بيعض على شفايفه، وباصص على الأسمنت المبلول لحظة. "مش بقدر" قال. "مش بقدر أثق فيه تماماً، خاصة لما يتعلق الأمر بيكي. خايف..."
"خايف من إيه؟" سألت بهدوء، وانا بمشي ناحيته، وباحط إيدي على كتفه. "هو أبوك. إيه أسوأ حاجة حيعملها؟ وإحنا مش مع بعض، يعني، مش كأن عنده سبب حقيقي يكرهني."
"مش بس كدة!" إنزو صرخ، وهو بيبعد عني فجأة، والألم في عينيه.
صُدمت بانفجاره المفاجئ، وأخدت خطوة لورا، وبأستغرب. "إيه هو، إذن؟" سألت، وانا بميل راسي.
إنزو كان صامت تاني لعدة لحظات. قدرت أشوفه وهو بيقبض وبيفك فكه، وكمان قبضاته، كأنه بيحاول يلاقي الكلمات الصح، بس مخه كان مجرد فوضى من الأفكار المتشابكة.
"بس قول" قلت. كنت خايفة دلوقتي من اللي ممكن يقوله، وحسيت بالدموع بتيجي في عيني لأسباب مش معروفة بالنسبة لي.
"عايزني أتزوج من حد" تمتم. "زواج مدبر. بيقول..."
حسيت إن قلبي نط تاني، المرة دي في زوري، وعُقدة ضخمة بتمزق الأمعاء اتكونت في أعماق معدتي.
"بيقول إنها نصيبي. والمفروض نتزوج في ليلة رأس السنة."
ما كنتش عارفة أقول إيه. ليلة رأس السنة كانت على بعد كام شهر، بس حسيتها قريبة أوي دلوقتي. قريبة زيادة عن اللزوم. هل حتى حاشوف إنزو تاني بعد كدة؟ هل حتى حأقدر أناديه صاحبي بعد كدة؟
شهقة علقت في زوري، لما فكرة إن إنزو يتزوج من حد تاني عدت في بالي. كنت عارفة إننا مجرد أصحاب، وإنها مش حتشتغل بينا أبداً — خاصة لو كان عنده نصيبه الحقيقي — بس إني أسمعه بيقول الكلمات دي لسه بتوجع زي سكين في القلب مباشرة.
فجأة، من غير ما يتكلم، إنزو اندفع ناحيتي، وسحبني في ذراعيه، وضغط شفايفه بشدة على شفايفي لمدة اللي حسيت إنها أبدية. كنت متوترة في الأول، بس حسيت إن الشمسية بتنزلق من إيدي، لما استرخيت في النهاية ناحيته، وسمحت للمطر ينزل علينا.
لما أخيراً ابتعد بما يكفي عشان شفايفنا ما تلمسش بعض، رؤوسنا كانت مضغوطة على بعض، لاحظت إن خدي مش بس عليه مطر، بس دلوقتي كمان عليه دموعي.
أخدت نفس عميق، وابتعدت. "إنزو، مش بقدر... مش ممكن نعمل كدة. خاصة مش دلوقتي، مش لو..."
هز رأسه، وقطرات من المية نزلت علينا من شعره المبلول، وهو بدأ ياخد كام خطوة لورا. "أنا عارف. ده غبي... أنا آسف"
قبل ما أقدر أوقفه، لف على كعبه، وخرج من الزقاق، واختفى في المطر، وهو بدأ يشتد أكتر من السما، وتركني لوحدي تاني.
سندت رأسي على الحيطة، ورفعت وشي في السما، وغمضت عيني، والمطر بينزل على وشي.