الفصل 80: النزل
في الأسبوع اللي بعده، كل شيء كان سريع جدًا. كنت مشغولة جدًا بالامتحانات النهائية ومحاولة اللحاق بالعمل الدراسي لدرجة إني بالكاد لاحظت إن الورق من على الشجر اختفى تقريبًا، وإن الأيام بدأت تقصر. وقت ما خلصت الامتحانات النهائية، كان الجو برا بارد كفاية لدرجة إنك لازم تلبس جاكيت تقيل وقبعة صوف في كل مكان تروحه.
أنا و إنزو ما شوفناش بعض خالص، وده لحسن الحظ وقف الإشاعات اللي كانت بتنتشر في الجامعة عن 'علاقتنا' حتى لو كان بيوجعني إني مش بشوفه بعد البوسة المشؤومة في المطر. كمان، ظهر إن إنزو بدأ يقول للناس إننا مش مع بعض، وده ساعد في تخفيف الموقف. كان شعور حلو إن محدش بيبص عليك وبيتكلم عنك في كل مكان تروحه، على الرغم من إن لسه فيه ناس بتبصلي بنظرات غضب - زي ليسا وصحابها.
قريبًا، جه وقت إن بطولة نصف القمر تبدأ. الجامعة بدأت تتحمس عشان البطولة الجديدة اللي الكل بيحبها، والمباراة الأولى كان المفروض تتلعب في مدينة تانية. أنا ما كنتش ناوية أروح بعد كل اللي حصل، كنت عايزة بس أركز في الدراسة، بس للأسف اضطريت أروح بعد ما تيفاني 'مرضت' فجأة قبل المباراة بيوم واحد.
'أنا آسفة جدًا,' قالت في التليفون، وصوتها كان فيه بحة و مزكوم. 'كنت هاروح لو مكنتش تعبانة أوي.'
'عادي,' رديت بأكبر قدر من المرح ممكن وأنا في نفس الوقت بحاول أمنع تنهيدة عميقة و تقيلة. 'هاروح وأتأكد إن محدش بيتعور.'
لما طلعنا الأوتوبيس اللي هيودينا للمباراة، كنت حاسة بمزيج من التوتر و الحماس في الجو. زملاء إنزو في الفريق ما كانش عندهم فكرة إنهم بيشاركوا في حاجة مهمة كده، بالنسبة لهم، دي مجرد بطولة جديدة عشان تحل محل القديمة. كانوا متلخبطين من التغيير المفاجئ، بس ما سألوش أسئلة كتير.
مع إن الأوتوبيس بتاع الفريق اتحرك من الجامعة وبدأ يروح لمكاننا، ظهر إن فيه توترات في الفريق بسبب حاجة مالهاش أي علاقة ببطولة نصف القمر.
'ياريت جاستن كان هنا,' قال حد فجأة، بعد حوالي ساعة في الرحلة، مفاجئًا كلنا. حسيت وشي بيحمر وأنا بتظاهر إني مندمجة في كتابي في آخر الأوتوبيس عشان ما أسمعش.
'وأنا كمان,' قال حد تاني. 'فريقنا مش متزن من غيره.'
'حد يعرف هو راح فين؟' تدخل مات. 'كان لسه هنا يوم، وبعدين اختفى...'
'راح البيت عشان يقعد مع أهله,' إنزو اتكلم بصوت جامد. كان قاعد في قدام الأوتوبيس، بعيد عني على قد ما يقدر. بصراحة، كان بيوجعني إنه يكون بعيد كده لما المفروض نكون أصحاب، بس يمكن يكون أحسن كده. لو المفروض يتجوز حد تاني، ما بلوموش إنه عايز ياخد وقت عشان يرتب مشاعره.
واحد من اللعيبة اللي نادرًا ما كنت بتكلم معاهم، عشان هو كان أهدى واحد - اسمه برايس - فجأة اتكلم لأول مرة في الرحلة دي، من غير ما يلتفت عشان يبص لإنزو أو أي حد تاني من مكانه.
'توقيت مناسب,' قال. كان فيه تلميح من الاستياء في صوته.
'آه؟' قال إنزو بفضول. 'إزاي يعني؟' برايس هز كتفه، وبدأ يحرك رأسه عشان يبص لإنزو و ليا. 'أنا بس شايف إن من المضحك إن جاستن بيمشي من الفريق وبيختفي، وبعدين فجأة أنت بتبوس صديقته القديمة في لعبة هوكي كبيرة,' قال.
نزلت كتابي من غير ما أقصد على رجلي، ومش مهتمة إني ضيعت مكاني اللي كنت بقرا فيه.
كان فيه صمت ملموس في الأوتوبيس لما كلام برايس نزل عليهم. حسيت إن في حاجة طلعت في زوري وأنا ببص من الشباك.
'ده كلام فارغ وأنت عارف كده,' إنزو زمجر، وقام من مكانه ومشي ناحية المكان اللي برايس قاعد فيه. 'الاتنين دول مالهمش علاقة ببعض.'
برايس بس هز كتفه تاني. 'أنا بس بقول,' رد. 'دي مصادفة مثيرة للاهتمام. بس يالا. أنا أعرف إيه؟'
إنزو بص لبرايس بغضب لثواني طويلة قبل ما يلف فجأة عشان يبص لباقي الفريق. كنت شايف الغضب مكتوب على وشه. 'حد تاني عنده أي حاجة عايز يقولها؟' قال.
اتقابل بالصمت.
'تمام,' زمجر. 'أي حاجة حصلت بيني وبين نينا، دي حاجة تخصنا. لو أي حد تاني عنده مشكلة في ده، يقدر ييجي لي. هاضبطه وأعلمه ما ينمش.'
من غير كلمة تانية، إنزو قعد تاني في مكانه. بصيت من فوق الكرسي اللي قدامي وهو بيلف رأسه عشان يبص من الشباك. محدش جاب سيرة جاستن أو علاقتي القديمة بإنزو في بقية رحلة الأوتوبيس.
أخيرًا وصلنا للمكان اللي هنقعد فيه أثناء البطولة. لما نزلنا من الأوتوبيس بتاع الفريق، كلنا كنا متفاجئين بنفس القدر من حالة المكان.
كان موجود في الغابة، ودي كانت هتبقى حاجة كويسة جدًا لو مكانش عبارة عن نُزل قديم ومتهالك اللي شكله كأنه ما استخدمش أو اتنضف من سنين. الشبابيك كانت عليها طبقة سميكة من التراب وإنزو اضطر يستخدم جسمه عشان يفتح الباب القديم المتهالك عشان يكشف عن جوه نفس الدرجة من التراب والغمقان. خيوط العنكبوت كانت على الأسقف المقوسة للنزل القديم الجميل اللي كان زمان، والأثاث كان مغطى بملايات بيضا متسخة اللي انفجرت بغبار لما شيلناها.
'ده مقرف,' قال مات، وهو بيمشي ناحية البار المدمج في الحيطة اللي ورا وبيمشي صوابعه على السطح المترب. 'أنا فكرت إنك قولت إن الفريق ده معروف بفلوسه، يا إنزو.'
'كانوا كده,' إنزو رد ببرود وهو بيشغل مفاتيح الإضاءة عشان يلاقي إن ما فيش كهربا.
'ما تفكرش إنهم عملوا ده عن قصد عشان يبوظوا لعبنا، صح؟' حد تاني تدخل.
شغلت كشاف موبايلي عشان أنور المنطقة اللي قدامي وأنا بطلع على السلم المنحني، وبتخيل إزاي كان المكان ده جميل زمان. كان ممكن يكون الفريق بيحاول يبوظ لعبهم عشان بطولة نصف القمر، بس فيه حاجة في حالة الفوضى في المكان دي خلتني ما أصدقش كده. لو الفريق ده معروف بتمويله، ليه النزل بتاعهم شكله كأنه ما اترتبش فيه كويس من سنين؟
أصوات الفريق بدأت تتلاشى وأنا بمشي ببطء على الممر الضيق اللي فوق، وبفتح كل باب بمر عليه عشان أكشف عن أوض نوم كلها عليها نفس التراب والأثاث بتاعهم متغطي بنفس الملايات البيضا المتسخة. في نهاية الممر، كان فيه بابين مزدوجين - ولما فتحتهم، نور الشمس دخل على الممر، وكاد يعمينا بعد ما كنا واقفين في الضلمة.
طلعت على بلكونة صغيرة، وفمي مفتوح وأنا ببص على المنظر المذهل اللي تحتي. حوالينا، ما كانش فيه غير مساحة واسعة من أشجار الصنوبر الطويلة. كان فيه بحيرة صغيرة تحتها مركب صغير وراكن على الشط ورصيف شكله كان هيبقى مثالي عشان تنط منه لو الجو كان أدفى شوية.
تمامًا لما كنت هادور عشان أنادي على الكل عشان ييجوا ويبصوا على المنظر، بس فيه حاجة لفت نظري.
كانت خفيفة، بس الطريقة اللي جسمي بعدها حس بقشعريرة قالت لي كل اللي محتاجة أعرفه.
في الغابة، بيبص عليا من الظلال، كان فيه رسمة رأس ذئب ضخمة. في مركزها، عينين صفراوين متوهجين كانوا بيبصوا عليا.
ده ما كانش ذئب عادي. ده كان ذئب مستذئب.