الفصل 98 العلاج بالتنويم المغناطيسي
نينا
مرت الدقائق، وبعدها الساعات. قريبًا، ممكن تكون أيام! ما كنت أعرف كم بقيت تحت. مع مرور الوقت، أضواء الخلية الفلورية الساطعة ما خفت أبدًا، وخلتني أفقد كل إحساس بالوقت. حسيت إني بديت أفقد السيطرة على الواقع.
ما عاد أقدر أبكي أو أصرخ. مو بس دموعي نشفتي وحلقي صار يوجعني لدرجة إني ما أقدر اطلع صوت، بس حسيت إن الموضوع ما منه فايدة. ما في أحد جاي ينقذني. يمكن إدوارد كان على حق؛ يمكن ما في أحد من الناس اللي عرفتهم في الأربع سنين اللي فاتت كان حقيقي. يمكن كل ده كان مجرد وهم في خيالي… لو كانوا حقيقيين، ما كانوا جم وأنقذوني لهلا؟
بعد وقت ما أعرف كم، بدأت الأصوات. كانت ناعمة في البداية، مجرد همسات.
"نينا…"
صوت نادى اسمي. تجاهلته في البداية، بس صار أقوى مع الوقت.
"نينا."
هزيت راسي. "مو حقيقي." همست لنفسي، حلقي كان تعبان لدرجة إن الكلام بالكاد طلع. "مو حقيقي…"
"نينا!!"
قفزت. عرفت الصوت: صوت جيسيكا. بدت خايفة، زي كأنها بتصرخ طلبًا للمساعدة.
"جيسيكا؟" ناديت، بس ما كان في رد.
الأصوات سكتت لفترة طويلة. في النهاية، بديت أفكر إني ما سمعتها أبدًا. يمكن كنت بحلم؛ بطريقة ما، لازم إني نمت بالرغم من أضواء الفلوريسنت الساطعة اللي منورة عليّ من السقف.
بس بعدين، بدأت مرة تانية. هالمرة ما كان مجرد صوت.
جيسيكا وقفت قدام سريري، واضحة زي الشمس. كانت ملابسها وشعرها في حالة سيئة. جلدها كان دموي ومضروب، وكان فيه وسخ تحت أظافرها. عيونها كانت لونها أبيض، كأنها مغطاة بطبقة رقيقة من الطلاء الأبيض.
"ده ذنبك إني مت." قالت. "ده ذنبنا كلنا."
بلعت الغصة اللي في حلقي. كان يوجعني حتى أبلع. "مو ميتة." همست، وهزيت راسي. ما ممكن تكون ميتة. أكيد جيسيكا في البيت حاليًا مع ليسا، لو كانوا حقيقيين أصلًا…
"أنت أنانية." كملت جيسيكا. مشيت على جنب سريري ومدت إيدها الباردة والميتة. كانت ريحتها زي التراب والدم المتخثر. "كل اللي كنتي تهتمي بيه نفسك. لازم تموتي كمان. عشان تخففي على العالم."
بعدت راسي وغمضت عيوني، وكررت كلامي في راسي.
ده مو حقيقي… ده مو حقيقي…
لما فتحت عيوني، جيسيكا ما كانت لحالها. وراها كان فيه ليسا، جيمس، ومات. كلهم مدوا إيديهم الوسخة على رقبتي. حاولت أصرخ، بس ما طلع مني شيء — فدرت راسي في الاتجاه التاني واستنيت إنهم يخنقوني، لأن ده كل اللي أقدر أعمله.
على الجانب التاني من السرير، كان فيه أمي وأخوي. أمي كانت ماسكة بيبي ملفوف في بطانية بنقش غريب من الصورة. كانت تهزه وتهديه، بس كان يستمر في البكاء بصوت أعلى وأعلى.
"اسكتي!" صرخت وبدأت تهز البيبي بعنف.
صرخاته تحولت لأصوات حيوانية. رحت أفتح فمي عشان أقولها توقف، إنها راح تقتله، بس بس نفس الأصوات طلعت من فمي. بعدين، رعبني، رفعت البيبي فوق راسها ورَمته بأقوى ما عندها على الأرض.
في الوقت ده كله، تايلر كان بيختنق لحد الموت وراها. شفتي وأنا جسده بيذبل للاشيء. لحمه ذاب عن عظامه، ما بقى غير هيكل عظمي.
الهيكل العظمي بَصّ لي. فتح فمه عشان يتكلم، بس ما طلع غير الديدان.
غمضت عيوني مرة تانية، وأتمنى أقدر أغطي أذني وأنا أسمع عويل أحبائي بيملي أذني.
ده مو حقيقي… ده مو حقيقي…
بعدين، فجأة: صمت.
فتحت عين واحدة في الأول، بعدين التانية. بصيت حواليا ببطء وطلعت تنهيدة راحة لما شفتي إني لحالي مرة تانية؛ لأول مرة، إني أكون لوحدي كان مريح.
"أنا حبيتك، بتعرفي."
صوت إنزو خلاني أقُفز. رفعت راسي، عيوني مفتوحة، وشفتي إنزو واقف عند رجلين سريري.
كان شكله بالظبط زي ما شفتيه آخر مرة، لما جبنا ملف جاستن من بيت إدوارد. حتى كان لابس نفس الملابس السوداء كلها. شعره البني المجعد كان لسه مبعثر من الجري في الشارع لما ركضنا بعيد. لو رفعت راسي أكثر، كنت حتى راح أقدر أشمه: دخان وجلد. كان ريحته كده لما حطيت راسي على ضهره في ركوبنا للدراجة النارية في منتصف الليل من أسابيع.
"أنا حبيتك…" صوته كان بعيد، مر.
"…وما قدرتي تتحملي تحبيني بالمقابل."
هزيت راسي وفتحت فمي عشان أتكلم، بس ما قدرت. غصيت. الديدان انسكبت على صدري في كومة موحلة بتتحرك. غصيت تاني، وطلع أكتر. لو استمريت أغص، كنت متأكدة إني قريب راح أندفن في الأشياء المقززة.
إنزو مشي حوالين سريري عشان يبص عليّ. كان فيه ألم عميق في عيونه، وعرفت في الوقت ده إنني كنت أنا اللي تسببت في هذا الألم.
"جاهزة تتعاوني الحين؟" قال.
عبست. "أتعاون مع إيه؟" سألت. فمي ما كان مليان بالديدان، ولما بصيت تحت، صدري كان نظيف. ما كان فيه ديدان. صوتي كان صوتي، مو صرخة حيوانية مخنوقة، بالرغم من إن حلقي كان لسه تعبان وكان بيحرقني لما اتكلمت زي كأني بلعت فحم ساخن.
"مع علاجك."
بصيت فوق تاني. صوت إنزو اتغير، وشكله اتغير كمان. ما كان إنزو بعدين.
إنزو صار إدوارد.
"أ-أنا فكرت إنك–"
"إنزو، أنا أعرف." قال إدوارد. سحب الكرسي المتحرك لجنب سريري وقعد بتعبير لطيف ومنفتح على وجهه. كاد يبدو يشفق عليّ. "حسنا؟" سأل. "تبغي تجربيها مرة تانية؟"
ترددت، وأنا أبص على الأشرطة الجلدية حوالين معصمي وكاحلي. كنت كافحت ضدهم لدرجة إن جلدي كان الحين بنفسجي غامق تحت المكان اللي فيه الجلد قابل معصمي، بس ما حسيت بالألم. بنفس الطريقة اللي ما حسيت فيها بالألم، تخيلت إنها يمكن بتدل على حالتي العقلية. لو ما قدرت أحس بالألم في جسمي، إزاي أقدر أثق في الصور اللي في عقلي؟ قبل لحظة، غرفتي كانت مليانة بأشخاص فكرت إني أعرفهم، بس الحين، كانت فاضية مرة تانية. كنت أنا وإدوارد بس، وكنت مريضة. إدوارد يقدر يصلحني، زي ما أصلح جاستن.
بصيت فوق تاني على إدوارد وهزيت راسي ببطء.
"أيوه." همست، وصوتي لسه ضعيف زي النباح. "أنا جاهزة أتعاون مع علاجي."