الفصل مائة وثمانية وخمسون: لا يزال يفتقد
في لحظة، ما عرف يسيطر على يديه ولا رجليه.
ميسون عدل نفسه وبدأ السيارة مرة ثانية.
بس، إحساس الخفقان لسه مش كويس خالص. بالعكس، مو بس خفقان، كمان إيديه بدأت ترجف.
"يا أخوي، وش فيك!"
"يا ثالث، كلم أخوي الكبير... خايف..."
المطار.
آريا لابسة تنورة صفرا فاتحة وشعرها مرفوع لفوق، اللي يشوفها يقول جسمها حلو ورشيق.
"آريا..." رايلي وصلت المطار، وما قالت ولا كلمة، وصوتها مكتوم.
"رايلي، ليش كل مرة كذا؟ تبدين تبكين قبل ما تقولين وداعًا." الحقيقة، كينسلي هي الأصغر بين هذي الناس. بس، شكله بعد سنين التغير، كينسلي الحين أقوى من أي أحد.
وجه رايلي الشاحب امتلىء بدموع بحجم حبات البازلاء. رايلي ما تقدر تشوف هذي المناظر المؤثرة حقت الوداع.
"يا ويلي، كينسلي، ليش تقولين كذا؟ فكري فيها، الأخت الكبيرة بين الأخوات هي أختي وأنا. أنتم كلكم أخواتي الصغار. ما أحب مين أحب!" رايلي ظلت تتكلم وهي تبكي، بس كل الحزن تبدد بـ رايلي.
"تنفجر قبل..."
"تنفجر قبل..."
"يا خسارة، يا خسارة، ليش لسه عندك عقل تضحكين؟ هذا وداع. كأنك رايحة تتزوجين. ما أقدر ما أبكي."
رايلي، كينسلي، مدوا أيديكم، افرشوها...
"هذا حضن مبكر عشان لمة شملكم." فم كينسلي مرسوم عليه ابتسامة خفيفة.
احتضان دافئ...
يبدو أن الزمن رجع للمدرسة الثانوية. الكل لسه بنت مراهقة غير مبالية وبريئة وسعيدة تلعب. في غمضة عين، كلهم وقعوا في الحب وما قدروا يطلعون...
اهرب، اركض، تجرح...
آريا كانت غايبة في حالة ذهول، مثل ما صعد شوي شوي من قاع البحر البارد والمظلم، بعدين صعد... لحد ما طلعت راسها من المويه...
النسيم مال، ونسيم دافئ دخل قلبها.
"شكرًا، الكل عشان جيتوا تودعوني. يلا نروح للبيت!"
عيون آريا كانت ناعمة وهادية زي المويه، وكل جسمها مليان بطباع نبيلة وباردة، بس ابتسمت بخفة للكل.
الكل يؤمن إن آريا راح تكون آريا جديدة في ثلاث شهور.
المستشفى.
ميسون ومايكل ركضوا لغرفة الطوارئ...
"كيف المريض؟" عند باب غرفة الطوارئ، مايكل مسك ممرضة من ياقة القميص وسأل، "أخبار الناس اللي جوه؟"
"لسه... لسه... لسه في... إنقاذ..." الممرضة الصغيرة خافت من فجأة وقاحة مايكل وما قدرت حتى تتكلم.
جسم مايكل استرخى. "تمام، مو ميت."
"..." ميسون اسود وجهه وسيم بارد. جالس على كرسي عند باب الجناح، ما تكلم ولا كلمة.
لو شي صار لـ جرايسون، هو أكيد ما راح يخلي آريا تفلت.
انتظرت ثلاث ساعات.
الأطباء أخيرًا طلعوا من غرفة الطوارئ. كلهم شكلهم مهيب.
قلب مايكل كان في حلقه وما كان عنده قوة يتكلم.
"دكتور، كيف المريض؟" ميسون أخيرًا تكلم.
"آسف، سوينا اللي نقدر عليه."
"طق." شي انفجر في قلب مايكل.
مسك ياقة الدكتور، عيونه حمرا، "وش تقول؟ تقولها مرة ثانية؟ لو المريض ما قدرنا ننقذه، راح أدفيكم في المستشفى كله، تصدق ولا لا؟" عيون مايكل كانت مليانة ضباب كثيف.
ميسون وقف، تلاميذه مجوفين زي زجاج العنبر.
كل هذا زي الحلم.
صح، هذا حلم. الحلم حلم. بعد ما تصحى، لسه زي ما هو كالعادة. ما في شي صار.
مايكل استمر يزمجر على الدكتور، "أنت، روح انقذه، هو أخوي الكبير، تعرف مين هو؟ الابن المفضل لمدينة زي، قلت مت... مين تحسب نفسك، ليش تتحكم في حياته وموته..." مايكل مجنون. سحب ياقة الدكتور وما خلاه. لازم يخليه ينقذ جرايسون.
مفاصل يد ميسون ابيضت، ماسكهم شوي شوي، ومشى ناحية غرفة الطوارئ بقوة...
في وقت قصير، باي شينغ طلع بوجه بشع.
في هذا الوقت، مايكل ترك الدكتور ونظر لأخوه الثاني، اللي دائمًا يثق فيه، وشد أعصابه. "أخوي... أخوي الكبير، كيف؟"
بدون أي كلام زيادة، ميسون مسك ياقة تشنغ يو مينغ وسحبه لطاولة الاستشارة.
"أخوي، أخوي الكبير ما راح..."
"اسكت..."
عيون ميسون الشيطانية باردة بما يكفي عشان تجمد كل شي.
راح لطاولة الاستشارة وترك مايكل وراه. وجه ميسون رجع له ابتسامته اللطيفة. "عفوا، وين جناح جرايسون؟"
الممرضة فتحت الملف وفحصته. نظرت لميسون بوجه أحمر وصوت حلو. "لف يسار من هنا، والغرفة الثانية لكبار الشخصيات مع البلكونة."
"شكرًا."
مايكل سحبه ميسون قبل ما يعرف الوضع.
"أخوي، أخوي، فك، أنت تسوي كذا، أنا أتحرج."
ميسون بسرعة وصل للغرفة 202 في نفس الوقت، اللي مكتوب عليها جرايسون...
ميسون أخذ نفس عميق وفتح باب الجناح ودخل...
"أخوي الكبير..." مايكل نظر لجرايسون اللي منسدح على سرير المرض، عيونه حمض، دموعه تقريبًا سقطت. على الرغم من إنهم يقولون إن الرجال ما يذرفون الدموع بسهولة، هذا بس للمكان الحزين.
اليوم اللي بعده.
الشمس دافئة.
جرايسون كان عنده صداع يوجع الراس، وراسه كان على وشك ينفجر. رفع يده بهدوء وفتح عيونه ببطء.
في الأصل، العيون الخافتة كانت مذهلة في الفراغ، التلاميذ اتسعت، وحاول يجلس. حاول كم مرة، لأن كل جسمه كان ضعيف.
"أخوي الكبير، كيف؟"
ميسون بسرعة قام ومسك جرايسون. العيون والشفتيين الشاحبة كانت قلقة على كل شي. "انسدح أول، الدكتور قال، تحتاج راحة أكثر!"
"وين آريا؟"
ميسون توقف. "راحت."
قلب جرايسون كأنه تجرح سرًا من أشعة الشمس الدقيقة. ما شاف الجرح، ما نزف، بس خلا الناس بائسين-
"آريا، أنا بجد ما توقعت إنك راح توافقين تجين!" لوكاس راح للمطار عشان ياخذ الطيارة، ووجهه الوسيم كان مليان ابتسامة مشمسة دافئة. مثل هذي الابتسامة مسحت كل الأشياء والعواطف المظلمة اللي آريا جمعتها في قلبها لمدة طويلة. آريا ابتسمت بخفة. "شكرًا، سينور مو."
لوكاس بشكل طبيعي أخذ شنطة آريا.
آريا رفضت، على أي حال، العلاقة بينهم، آريا ما تبغى يكون عندها أي تدخل.
"لازم تعطيني حق الرجل المهذب." لوكاس ابتسم بلطف ومد يده عشان ياخذ شنطة آريا. "فرنسا دولة مهذبة جدًا وتحب تساعد الناس. ما تبيني آكل بيض فاسد في المطار!"
المساعدة إيميلي والسائق آ مو بعد أخذوا الطيارة.
إيميلي ابتسمت بخفة وحضنت آريا. "أهلًا، آريا. نقدر نشتغل مع بعض مرة ثانية."
آ مو بس هز راسه وما قال شي.
مد يده عشان ياخذ الشنطة من يد لوكاس، بس لوكاس رفض.
إيميلي، اللي تبعته بصمت، كانت تقدر تشوف كل هذا بوضوح.
"جوعانة! يلا نروح نتعشى أول. فيه كم مطعم مرة كويس هنا. كلهم أطباقك المفضلة!" صوت لوكاس اللطيف والمائي شوي شوي نور قلب آريا زي الشمس الدافئة.
آريا ألقت نظرة شكر للوكاس. "شكرًا، سينور مو."
بعد ما ودعت آريا، رايلي ودعت إسحاق وكينسلي.
ركبت تاكسي لحالها. من آخر حادثة، رايلي استأجرت شقة بغرفة نوم واحدة في منطقة نائية مرة ثانية.
تسحب جسمها المتعب، رايلي طلعت الدور اللي فوق شوي شوي. رحيل آريا سبب ضرر كبير لقلبها.
"رجعت." صوت ناعم مثير سمعته فوق راس رايلي.
رايلي رفعت راسها وانصدمت. "كيف لقيت المكان هذا؟" المفاجأة اللي مرت على طول تبعها البرودة الشديدة، "روح، أنت مو مرحب فيك هنا."
رايلي دارت عشان تفتح الباب.
"رايلي." ذراع رايلي مسكها إسحاق. "رايلي، أنا..." إسحاق تردد وأخيرًا شكله أخذ قراره. "رايلي، أعرف إني آسف لك، بس بجد أتمنى إنك تنقذين العراقيين."
"طا طا طا..." صفقتين مدوية، طبعت على وجه إسحاق.
وجه رايلي كان شاحب وإيديها ترجف. انسحبت ببطء وقبضت. "إسحاق، مين أنت؟ ليش لازم أساعدك عشان تنقذ هذا الرجال الرخيص بكلماتك؟"
كانت مشوشة وخافتة شوي، وقبل عيونها ظهر مشهد هابر يضايقها في البار...
رايلي ابتسمت بمرارة، "إسحاق، أعترف إني كنت أحبك، بس من الحين، أنت مو حتى كويس زي الزبالة في الأرض في قلبي. أنت، ز هابر، زوج من الناس الرخيصة اللي لا تهزم ولا تخجل وما طلعت من الإنترنت."
رايلي تجنبت عيون إسحاق المذهولة وتجاهلت الألم في قلبها. صوتها كان بطيء وتكلمت بصوت منخفض. "بس، نساء الحب الرخيصات على حق. أتمنى لك مئة سنة من الحياة."
"أنت..."
قبل ما إسحاق يقدر يقول أي شي، الباب انفتح وكاليب ظهر قدامهم في روب حمام.
رايلي رعب.
إسحاق انصدم.
"رايلي، رجعتي. سويت وجبة خفيفة وانتظرتك ترجعين؟" كاليب تكلم بهدوء، وجهه الوسيم ما كان فيه ولا أثر من الذعر، وتلاميذه الزرق الغامقين كانوا يطالعون رايلي، يصدرون ضوضاء دافئة. إيدين بيضا نحيفة لسه ماسكة مناشف عشان تمسح قطرات الموية على رؤوسهم من وقت لوقت. شكله توه أخذ حمام كويس.
نظرت للألم في عيون إسحاق، كاليب سحب رايلي وابتسم، وحضن خصر رايلي النحيف، وصوته كان دافئ وغامض. "رايلي، ما توقعت إنك راح تنادين ضيف. لازم تناديني. أخذت شخص زيادة." كاليب فرك راسه على راس رايلي. "فكرت إننا إحنا الاثنين بس وعندنا عشاء على ضوء الشموع؟"
كلمات كاليب واضحة.
هو وعالم رايلي ما يحتاجون غرباء عشان يزعجونهم.
رايلي بسرعة طوت مفاجئتها وألمها في عيونها وابتسمت بحلاوة، "كاليب، يلا ندخل!"
"تمام، تمام، حبيبتي، كل شي يعتمد عليك." كاليب ابتسم وتعاون مع رايلي. دار ودخل.
"رايلي..." يد رايلي مسكها إسحاق، وجهها كان شاحب، وصوتها كان منخفض مع صلوات، "رايلي، أتوسل لك، بس مرة، بس مرة..."