الفصل الثاني والعشرون بعد المائتين: أستعير ذراعك لإنقاذ
لسه فيه شوية حرارة على المعطف بتاعه. مَدَّتْ آريا إيدها وسألته، فيه ريحة مُعَيَّنة... مالوفة.
في القلب، فيه إحساس غريب، فيه حماس، فيه فرح، وفيه وجع... رَفَعْتِ عينيكي وبصّتِ عليه، الشمس طالعة عليه، عاملاه زي طبقة ذهبية فاتحة، حبر بني فاتح، في الهوا اللي بيطَيِّر شعره بشكل مختلف. أنيق، بارد، وشوية بيخلّي الواحد ما يقربش.
"مش بردان؟" قبل ما الكلام يخلص، آريا كانت عايزة تهوي على نفسها. هي كدة بردانة، هو مش بردان؟
سؤالين زي دول...
كانت متوقّعة إنّه هيتضايق، بس هدوءه ده فاجأ آريا.
"مش بردان."
آريا: "…"
هدوء وصمت، الواحد بيهتم بنفسه ويلبس هدوم. الدفا انتشر في الجسم كله مع الهدوم، وآريا نزّلت راسها وضاعت ابتسامتها. إمتى ده؟ لسة في مود إنها تفكر في سؤال مستحيل. هزّ راسه وقال بصوت خفيف: "يبقى أنا مش مرحّب بيكي خالص. الأحسن إنك تتجمّدي وتموتي بدل ما تتجمّدي وتموتي."
جرايسون عينيه زي عين الصقر، طويلة وضيّقة، وضيّقة شوية. ما عملش أي حركة.
بس قال بهدوء: "يلا، هاخدك تشوفي التلج."
آريا: "…" بتزيد حيرتها كل شوية إيه اللي بيحصل في دماغ جرايسون. هو اللي قال إنه عايز جايدن تتجوز، وهو اللي شاف نفسه آخر مرة. وفي الآخر، لما كانت على وشك إنها تتخلص من كل كرهها، هرب من الجواز. ياخدها للجبل ده، فيه مناظر حلوة، نضيف وهادي... إيه اللي هو عايزه بالظبط؟
على الجبل، عالي وواطي، فيه صفوف من الممرات الخشبية الطويلة متوزّعة بشكل عشوائي. الجوانب بتاعة الممرات دي متغطّية بالتلج وبتعكس نور أبيض تحت الشمس.
ماشية وراه، ضهره طويل ونحيف، وقميصه الأبيض مع التلج الأبيض على الجانب، بيظهر أناقة خفيفة وجذّابة.
حسّت إن العيون بتبصّ عليه من وراه، وقف ولفّ، "السلاحف أسرع منك."
آريا: "…" فجأة، الكلام ده خوّف آريا.
"إيه اللي بتعمله؟ لو بتقول كلام زي ده من غير سبب، هتوَتَّر الناس لغاية ما تموت." قلب آريا لسه بيدقّ جامد.
وكل حاجة منه، عايزة تنسى بأي شكل، بس في اللحظة اللي لفّ فيها، كل حاجة بقت واضحة في دماغها، متعلقة.
عينيه كانت عميقة، وعيونه هادية. شفافه الرفيعة بتبتسم شوية وبصّت على فمها الخفيف. "أنا... خوّفتِك؟"
آريا: "…"
عينيه فيها إحساس مش قادرة تفهمه، سواء معقّدة أو حاجة تانية...
آريا مركزة على عينيه، وقلبها بدأ يدق زي الغزال، وحوّلت عيونها بسرعة، "لأ..."
"خلاص، يلا!" لفّ ومشى قدام.
آريا لسه واقفة. الراجل ده ينفع نتكلم معاه كويس؟
ماشية وراه، آريا حطّت إيدها ورا ضهرها وشعرها كان بيطير. "ليه جبتني هنا؟"
جرايسون: "…"
غمز ليها. "لو عايز أجيبك، أجيبك. محتاجة سبب؟"
بالشكل ده، هو مش دافي، مش متضايق، مش مغرور، ولا مستعجل. بيبصّ عليها، خفيف، سطحي، ومن غير أي إحساس.
الشخص ده، اللي آريا فاكرة إنها تعرفه كويس، بتحس في اللحظة دي إن معرفتها دي مجرّد وهم، وإن شخصيته الحقيقية مستخبية تحت الوهم ده. مش بيظهرها بسهولة وبيعرضها للآخرين.
آريا فكّرت في بعض البدايات، وما أخدتش بالها من العقبة اللي زادت خالص.
رجِلها نزلت، وفعلًا اتْخطَّت في الفراغ، وزحلقت، والشخص كله فقد التوازن ووقع لورا...
"آه!" الخوف اتعلّق في قلبها، آريا صرخت.
جرايسون لفّ بسرعة ونزل بخطوات واسعة. في اللحظة اللي آريا وقعت فيها، مدّ إيده وأخد آريا في حضنه.
هوووو... خد نفس براحة. وخرّجها براحة.
"إنتي هبلة؟ تقدري تقعي بعد ما تتمشّي، وفي وقت قصير بتنزلي وبتقعي." جرايسون بصّ عليها بغضب شديد في وشه، ووجّه صباعه على الهاوية اللي قريبة.
آريا عرفت إنّه اتشتّت ووقعت، فكان لازم تنزل راسها. "أنا آسفة."
"ماليش دعوة. ما متّش لو وقعت." جرايسون سحب عيونه ببرود وبصّ على المكان اللي آريا زحلقت فيه من شوية. لو ما مسكهاش، كانت هتزحلق من الفتحة اللي في الممر... ووقعت في التلج، وزحلقت قدام بسبب القصور الذاتي، وده كان حافة الهاوية...
وش جرايسون اتغيّر فجأة، وعصبيته كانت زي حجر كبير بيخبط في صدره. ما فكّرتش كتير دلوقتي، بس دلوقتي لما فكّرت، حتى هو حسّ بالخوف.
لو هي فعلًا...
"متطلعيش بسرعة، لسه عايزة تقعي تاني؟" لو وقعت، هو فعلًا مش بيهتم.
هيهتم؟
مستعد يتخلّى؟
يا لهوي...
مش عايز يتخلّى!
"يااااه!" آريا بصّت على المكان اللي وقعت فيه وارتعشت من الخوف. هو ده السبب اللي خلاه متضايق أوي؟
"مش ماشية ورايا؟" لما شاف آريا بتبصّ بذهول، جرايسون صرخ ببرود تاني.
آريا مشيت وراه بسرعة، فجأة حست بشمس في قلبها، بتنور وبتدفي.
جرايسون مدّ دراعه وبصّ على المسافة. "هاسلفك دراعي تمسكي فيه. أنا مش بحبّك، أنا بقول أهو الأول، أنا بحبّ فلوسي."
آريا: "…" مش عارفة ليه. إيه المشكلة لو هو بيدّي فلوس؟
آريا مشيت وهي بتعبس وحطّت إيدها على دراعه.
في اللحظة اللي الجسمين فيها لمسوا بعض، جرايسون اتجمّد، بؤبؤ عينيه اتّسع، ورجع لطبيعته قريبًا.
آريا مسكته في دراعه، بحرص. دي سنين طويلة الإثنين بيمشوا جنب بعض بهدوء.
محدّش منهم بيتكلّم، الجو كان بيبصّ فيه، وكان فيه سكات مميت.
لازم نلاقي مواضيع نتكلم فيها، يمكن نقدر نخفّف التوتر.
"أممم... إنت قولت من شوية إنك مش بتحبّني، بس فلوسك... إيه معنى ده فعلًا!"
هي مجرّد مغنّي. هل صح إنك لو مسكت إيدين، لازم تدفع فلوس؟ هل بتفكر بجد إنّه زي الأبله اللي بيأجّر نفسه بلافتة في جبل الشارع؟
اللي بيأجّروا نفسهم عالنت طول اليوم برضه ماناموش؟ آريا مش موافقة على الطريقة دي. أكيد، كل واحد عنده أفكاره، ودي مالهاش علاقة بيها.
"مش هتدفعي فلوس لو مسكتي إيدين!"
هي معندهاش فلوس. صعب أوي تشتغل في شركة في لوكاس وكسبت فلوس قليلة أوي، ورجعت لريلي، دفعت الرهن العقاري، ما بقاش معاها فلوس تاكل بيها. ولا مليم زيادة.
"أقدر أقولها الأول، معنديش فلوس ليك."
جرايسون وقف، وشه الحاد اسودّ وبصّ على آريا، ونفسه يخنقها.
آريا فهمت الغضب اللي في عينيه.
بصّت عليه، وشه اتغيّر وبلعت ريقها. "إنت قولتها، إنت بتحبّ الفلوس."
"صحيح، لو وقعتي، لسه فيه شوية مسؤولية، بعد كل ده، جيتي معايا. حتى لو إنتي هبلة. بس، أعتقد صعب نلاقي حد تحت الهاوية دي العالية. حتى لو الجسم طلع، هيكلّف فلوس كتير. عشان كدة، عشان نوفر فلوس، بنصحك تمسكي فيّا جامد. مش عايز أدفع لحد عشان يدوّر على جسمك."
وش آريا بقى أحمر وأخضر، والكلام اللي قاله إنّه حسّ بالأسف عى الفلوس، ودي كانت رسوم إنقاذ جسمها؟
"…" يلعن... آريا بجد عايزة تشتم.
هو فقير أوي للدرجة دي؟
يا لهوي...
الجملة دي مش صح برضه؟ بالطريقة دي، فعلًا زي ما هي وقعت.
الكلام بيضحك عليها من جميع الجهات.
آريا بصّت عليه كتير من غير ما تقول الحقيقة. مش مقتنعة، مسكت دراعه الأول وقالت على مضض: "صح، أنا عارفة. عشان ما أخليكش تصرف فلوس، قرّرت إني هجرّك لغاية الموت. هروح معاك في أي مكان تروح فيه. عمرك ما هتخلّيني أمشي إلا لو قولت لي امشي."
"صح." جاوب بخفة.
آريا أخدته في طريقه للممر اللي قدّام.
في لحظتها العادية، وش جرايسون ظهرت عليه ابتسامة خفيفة.
الوقت لسه زي ما هو، الذكرى عالقة. هل هيقدروا يخترقوا الوقت ويخطوا للجنة اللي بعد كده؟
"أمم، ده أقصى مكان في الغرب. اتفرّجي على الغروب. ده أحسن مكان." من غير ما يحسّوا، وصلوا لنهاية الممر. من فوق نهاية الممر، فيه جبال مالهاش نهاية، وأنهار منخفضة بتلف وتدور بين الجبال، والأراضي الخضرا اللي تحت مالهاش نهاية.
آريا سابت دراع جرايسون، ومشيت للحافة، وماسكة الممر، وابتسامة مالهاش نهاية على وشها.
"المكان ده فعلًا جميل والهوا منعش أوي. لو شمّيته، أي مشاكل هتختفي."
جرايسون بصّ على دراعها الفاضي، وتردّد للحظة. العيون النجمية اللي في الغيوم والضباب مستخبية في عيونها لفت ومشت جنبها، بيبصّ لتحت ومركز.
الابتسامة على وشها اتعكست بعمق في عقله.
النهارده، يبدو إنّه اليوم اللي جرايسون شاف فيه آريا بتضحك فيه أكتر في سنين كتير.
"إنتي فعلًا مبسوطة؟" هو ما فهمش إن أخدهم يشوفوا شروق الشمس ممكن يخليها مبسوطة أوي.
هل دي حاجة بسيطة أوي عشان الستات يحتاجوها؟
جرايسون حدّد شفايفه شوية، وفقد شوية، وأكيد هياخد شوية. هل يقدر يبدأ تاني معاها؟
جرايسون تردد لما فكّر في موقفها إمبارح وما قالش اللي هي عايزة تقوله.
آريا بصّت عليه وهي مالّة راسها، وعيونها بتضحك، وحواجبها مرفوعة ورموشها منحنية. "يا أمير، إيه اللي فيك النهاردة؟ سألتني كتير. إنت مبسوط؟ مش شايفها في لمحة؟"
يمكن بسبب الاسترخاء، آريا وجرايسون اتكلّموا بنبرة مريحة وطبيعية بالذات. ما حسّيتش بأي ردّة فعل.
"صح."
هاه؟ آريا بتضحك، إيه الإجابة دي؟ مالهاش علاقة بالكلام اللي قالته.
يا أمير؟ الصوت اتعكس في ودن جرايسون، لسه قاسي أوي.
"متسمّيش يا أمير تاني في المستقبل." عيونه المرّة انعكست نور خفيف، بتبصّ عليها، زي ما يكون عايز يسحبها في عينه حتة حتة.
آريا غمّضت عيونها ومدّت إيدها عشان تساعده على جبينه. "يا أمير، إنت مش هتتجمد وتموت!"
جرايسون: "…" نور بارد بيبصّ على آريا بسيوف وسيوف. "هل بتقوليها مرة؟" وشه الوسيم اتلوى بعنف، بيقول إنّ دماغه ماتت. في العالم ده، آريا كانت أول شخص بيقول إنّه دماغه ماتت.
يا لهوي...
إيه اللي هي قالته غلط؟