الفصل 289 امنحوا بعضكم البعض حياة هادئة
بهدوء حطّ الحجاب في جيبه، صوته أجش و بارد.
"الموضوع خلص و بيرجع قريب."
واضح إنها حاجة تفطّر القلب، بس طالعة خفيفة كدا من بؤه. زي ورقة شجر طايرة، حتى لو الأوراق الميتة بتذبل، بترقص أجمل رقصة في الهوا. حتى لو بتوجع، بتقدر تكون بس في قاع قلبي، ولا عمرها تظهر على وشي.
هو كدا، و كدا من يوم ما صحي. حتى قدام ماسون، صار اللي ما عنده مشاعر ما بيطلعهاش و يحكيهاش. كل الحاجات الحلوة في الدنيا خلاص أكلها و بوظها الزمن. في قلبه، كل الجمال زي الشتا اللي لسه معدّي. البرد القارص بياكل في القلب اللي بيموت.
ماسون كان قاعد في مكتب رئيس الفرع الفرنسي و شنطة سفر في إيده. شكله لسه نازل من الطيارة.
الصوت اللي في التليفون، اللي كان هادي بشكل مش طبيعي بس خلّاه يحس بخوف شديد، عصّبه جداً.
وش أبيض حلو و عليه غضب دافي، "غرايسون، كام مرة قلت لك، جسمك ما يسمحلكش تسافر كدا. مو سهل إنّي أرجعك تشتغل. حتى لو ما بتفكرش في نفسك، لازم تفكر في إخواتنا اللي خايفين عليك. ما تسيبناش كدا تاني، أوكي؟" ماسون كاد يختنق و حتى طلب آخر كلمتين.
الحادثة بوظت حياته كلها تقريباً. كام يوم و ليل، قعد فاضي جنب سرير غرايسون في المستشفى، بيحكي عن كل أنواع الجمال. في محاولة علشان يجيب رحمة السما يوم من الأيام، كل التوقعات اللي في قلبه تتحوّل لقطرة دموع بتلمع و شفافة، بتنزل بهدوء في قلب غرايسون، على أمل تصحي نومه و روحه.
دي الحاجة اللي المفروض الستات يعملوها. بالظبط، آريا كانت مفروض تعملها، بس علشان تحمي الست اللي بيحبها، هو ما بكاش بسبب نومه العميق. هو فرض الأوجاع دي اللي مش شايفينها على الإخوات دول اللي عاشوا و ماتوا سوا.
في الطرف التاني من التليفون، دايماً هدوء. حتى نفسي مش سامعها.
"غرايسون، أنا عارف، في التلات سنين اللي فاتوا، قلبك كان بيوجعك أوي، بس... هي اختارت، لسه عايز تكسر حياتها البسيطة و المريحة؟" ماسون سكت، رفع القهوة الباردة و كان هيشربها. بس لمّا افتكر حاجة، نزلها بهدوء، "غرايسون، اسمع نصيحتي و ادّوا لبعض حياة بسيطة و هادية! و بعدين، لوسي بتحرسك أكتر من سنتين. بجد قاسي إنك تطردها من جنبك؟"
وش غرايسون صار أبرد، بس لسه ما قالش ولا كلمة و بيسمع بهدوء.
شكله كدا إن اللي ماسون قاله مالوش علاقة بيه. هو مجرد واحد غريب، ميت و عايش مالوش علاقة بالدنيا ولا بالحب.
شخص عايش بس مش أحسن من الموت.
"غرايسون..."
الطرف التاني من التليفون سكت، و ماسون حس إن اللي قاله من شوية كان زيادة شوية. الجرح اللي في جسمه لسه ما طابش، و دلوقتي ضاف لجرح جديد بينزف في قلبه عبثاً، و دا محدش يقدر يستحمله.
"آسف." أخيراً، ماسون اعتذر بصوت واطي.
في الحقيقة، هو ما حسش إن فيه حاجة غلط في اللي قاله، بس... هو خلاص فهم غرايسون.
علشان خاطر آريا، حتى الحياة مش مسموحة. زي ساعتها، لمّا عرف إن لوكاس أغمى عليه و استمر في تطابق النخاع العظمي. بعد ما صحي بشوية، جسمه ما كانش استعاد عافيته، بس على الرغم من اعتراض الكل، هو راح علشان ينقذ الراجل اللي كان هيفقد الست اللي بيحبها.
مش عارف المفروض نقول عليه عظيم أوي، و لا نقول عليه مجرد أهبل، و مجنون، و ضحية حب.
"أنت في الشركة؟"
غرايسون ما ردّش على اعتذار و كلام ماسون. بس قال لماسون بنبرة أهدى إنّه بجد كويس و كويس أوي. مش بيبالغ زي ما بيقول.
ماسون بصّ في التليفون اللي في إيده و تنهّد بهدوء. هو عارف إن حتى لو كان بيتكلم كتير، غرايسون مش هيسمعه.
بس، هو عمره ما هيسمح لغرايسون يمشي كدا.
لو عايز يمشي كدا، لمّا ينزل من الباص و يشوفه، مش هيكون في الشركة، بس ممكن يكون في دار عزاء.
مش علشان هو شايف إن آريا مش كويسة، بس إنهم خلاص زي كوبري طاير مكسور. من غير الكوبري دا، يقدروا يستنوا و يشوفوا من بعيد و ما يقدروش يروحوا لكل حاجة. لو عايزين يروحوا لكل حاجة، بس الجحيم هو اللي مستنيهم.
"لسه واصل الفرع."
"أيوة، أنا خلاص نزلت من الشركة."
التليفون اتقفل.
بالنسبة لآريا، في كل مرة ماسون بيتكلم معاه بجدية عن آريا و لوسي، هو دايماً بيتجنب الإجابة. يا إما يمشي على طول يا إما يغير الموضوع على طول. هو مش صغير، هو في التلاتينات. لازم يبدأ أسرة علشان أهله و يدي لنفسه بيت مستقر.
طق، طق، طق...
فيه خبط على الباب.
تقدر تعرف مين هنا من غير تخمين و لا حتى تبصّ ورا.
وش ماسون شاحب أوي. في الحقيقة، هو كان أقرب واحد للباب، بس كان لسه غضبان لمّا فكر في الكلام اللي قاله لغرايسون من شوية. ما قامش يفتح الباب.
جوزيف راجل ذكي. إزاي ما يقدرش يشوف القلق و الغضب اللي طايرين في عيون ماسون؟ المشاعر دي متشابكة، يعني معقدة و فيها حماس.
جوزيف قام بسرعة و فتح الباب.
"يا أخ، أخيراً ظهرت، لو ما رجعتش. أنا شايف إن الشركة هتتدمر بسبب الأخ التاني. الأخ التاني جاهز علشان ينادي على المتفجرات."
"لو هو عايز كدا، خليه يدمرها."
جوزيف: "..."
ما قلتش حاجة على بؤه، بس دايماً بيهمس في قلبه: يا أخ، هل أنت بجد كويس في استفزاز الأخ التاني كدا؟ لو الأخ التاني تدمر بجد، مش أنا اللي هخسر أكتر واحد، بس أنت. و أنت كمان المفروض تحس بالضيق.
بس، جوزيف ما قالش كدا، وش مليان ضحكة ناشفة، و ما اتكلمش.
جوزيف عادة بيتكلم بطريقة مضحكة، بس لمّا بيتصرف، عنده آراؤه و أسلوبه الخاص و عنده قدرة قوية. هو واحد من الناس اللي بيحبهم غرايسون. هو تخرج من جامعة كامبريدج و جامعة هارفارد بشهادتين. ده غير المعرفة و الأساليب. ما فيهش شك إن ما فيش حاجة غلط في إدارة الشركة و الابتكار و التطور التكنولوجي، حتى للمدير.
قدام الناس التانية، يقدروا يقولوا إنهم استمتعوا بكل الأضواء الحلوة. بس قدام غرايسون، صار ورقة.
غرايسون بصّ لماسون اللي قاعد على الكنبة، أخرج سيجارة و رماها له.
بعدين أخرج واحدة لنفسه كمان.
"جسمك يسمح بالتدخين!" الدخان اللي في إيده وقع، و جوزيف رمى الدخان في سلة المهملات بطريقة قياسية. بيبصّ لوش غرايسون اللي لابس نضارة شمس و ما عليهوش أي تعبير، هز كتفه بعجز.
إن أخاه الأكبر يواجه جسمه كدا بجد مش بيقدّره.
بؤبؤ عين غرايسون العميقة ضاقت على جوزيف، و صوابعه الطويلة أخرجت علبة السجاير و فتحها. هو سحب واحدة تانية لنفسه. دلوقتي قلبه زي الموج اللي بيطلع من البحر، بيلف في كل مكان. بعد ما القلب اكتسحه، فاضي، عايز إيه علشان يملأه.
فجأة، ماسون قام، و بضربة إيد، علبة سجاير و سيجارة غرايسون طاروا من كفّه.
الحركة كانت وحشة أوي، حتى التعبير كان كدا. بيبصّ لغرايسون زي ما بيبصّ لأعدائه. بس، على الرغم من إن العيون باردة، ما فيهوش نظرة قاتلة، و دي حاجة مختلفة عن معاملة العدو.
وش ماسون كان أسود زي نجوم الليل و بصّ ببرود لغرايسون، كلمة كلمة.
"غرايسون، لازم تفهم إنها اختارت." على الرغم من إنها ما اتقالتش مباشرة، بس خلاص بانت إن ما فيهش إمكانية بين غرايسون و آريا. ما تضيعش وقتك في حاجة مستحيلة. دلوقتي هو لازم يرتاح و يتعافى كويس، و كمان يدي رد فعل لمشاعر لوسي.
"أنا رجعت."
غرايسون قام و مشي من المكتب. لوغان، السواق، بصّ لماسون و تابعه بقلق.
… …
لحظة الشباب، تجمدت حلوة.
ريلي كانت خشبية لغاية ما إيزايا ضغط بحماس، "يا مرتي، الجو لطيف و خفيف نسبياً. أنا مش قادر أستحمل البرد دا. الأحسن إنك تركبي الأتوبيس!"
ريلي ركبت الأتوبيس و قعدت بهدوء في العربية. الجو الهادي الأصلي اتعكر بسبب الرولز رويس السودا.
بجد مضحك لمّا تتقال. عربية زي دي و شخص مش قادر حتى يشوف وش شخص بوضوح عكّر قلب ريلي اللي كان هادي بالفعل. هي مش علشان نفسها، هي علشان أختها الحلوة، آريا.
لمّا العربية وصلت للمنزل، آريا، ستيلا الصغيرة، و لوكاس بيلعبوا في الجنينة، بيستمتعوا بكل أنواع الزهور الربيعية. وشوشهم كلهم مليانين بابتسامات سعيدة.
بس، محدش يعرف إن فيه زهرة زي دي اللي مرة طلعت حلوة في قلب آريا. دلوقتي، الزهور خلاص ما نعرفهاش.
كان فيه يوم مرة استوعبها و اداها أزرق لا مثيل له. دلوقتي، السما الزرقا اختفت في قلبها.
فيه بحر بيستوعب كل حزنها. النهارده، البحر لسه هو البحر، بس في كل مرة بتواجه البحر اللي تعرفه، بيديها وجع بيكسر قلبها.
فيه شخص اللي حبها جداً و أقسم إن حتى لو السما وقعت، مش هيمشوا من بعض. دلوقتي، الشخص اللي بتحبه اختفى في دنيتها، بس فضل في قلبها إلى الأبد. كل ليلة، شكل الشخص دا زي سن إبرة حادة، بتوجع قلب آريا أوي.
إزاي ما توجعش لو هي كدا وحشة و فريدة من نوعها؟
النوع دا من الوجع، بتستحمله بهدوء.
وصول ريلي جاب ضحك للمنزل الهادي نسبياً.
"آريا جت تشوفك علشان جوزها." ماسكة بنتها في حضنها، نزلت من العربية و مشيت بسرعة ناحية آريا. الابتسامة اللي على وشها كانت حلوة زي الشمس اللي في السما. دافية حوالين الناس.
"يا أمي، أخ فابري بيوحشك أوي!"
ستيلا الصغيرة بتلوح بإيدها الصغيرة و جريت بطريقة مش صحيحة ناحية ريلي. فابري، أصغر من ستيلا الصغيرة بشهر، كمان جري ناحية ستيلا بفرحة. الطفلين، تقابلوا بشكل عبيط، ضحكوا.