الفصل ثلاثمائة وسبعة خسروا تمامًا
أريا قالت، من غير ما تبص لحد، لفت ومشيت.
اديروا وشها والدموع تنزل. في النهاية، أريا خسرت، خالص.
كام يوم استنت، كام سنة كانت مستنية، و بس عشان تكتشف في الآخر، إن كام واحد يا دوب بيسلم الراية قدام الوقت من غير ما يترددوا. أيوة، هي خسرت.
الفيلم خلص خلاص، و حتى لو خلصوا، مافيش حاجة اسمها وداع أخير - حضن الفراق.
يبدو إن الحب اللي كان بينهم اللي حبوه للموت كان مجرد وهم سطحي. مافيش حب، مافيش وجع قلب، مافيش حاجة اسمها انفصال و فراق بينهم.
الوقت سلاح وحش أوي. بيخليك تقابل حبك بسرعة. بتحميه بحرص في سنّ ما تعرفش الحب فيه. ما بتقدرش تقاوم تأثير الوقت. في السن اللي بتعرف فيه الحب، بتخسره خسارة كبيرة لغاية ما جسمك كله بيتملي ببصمات الوقت لغاية ما تكبر.
لما أريا مشيت، جرايسون ما لحقش وراها و لا قال كلمة، بس بهدوء حط لوسي على السرير و عينيه فيها حزن و كلامه صامت. راح قدام الترابيزة، كان لسه العشا اللي أريا لسة شاريها موجود ع الترابيزة. كان سخن و بيطلع بخار. جرايسون مد إيده و لمس حافة علبة الأكل. الحرارة حرقت إيده. كانت بتوجع أوي. لمس المكان اللي أريا لمسته، و مهما راح، كأنه حاسس إن إيده مغطية إيد أريا، ماسكين صوابع بعض و بيقدّروا بعض.
ماسون كح كحة خفيفة. "جرايسون، عشا لوسي هيبقى على حسابك. أنا و ألفي ورانا حاجات نعملها."
جوزيف ردد، "يا كبير، إنت بتتعذب. أنا و أخويا التاني هنمشي في الأول."
"جرايسون، مالك؟" لوسي كانت نص نايمة، بتراقب جرايسون واقف عند طرف الترابيزة كتير من غير ما يتحرك، لوسي سألت باستغراب.
وقتها بس جرايسون جاب علبة الأكل للوسي.
لوسي بصت بصة. وش جرايسون الوسيم، زي جليد و تلج عمرهم عشرة آلاف سنة، كان بارد أوي. واضح إن عينيه كانت لينة من شوية. إزاي بقت بالبرودة دي في لحظة؟
لوسي: "جرايسون، شوفت! البنت اللي من شوية دي هي البنت اللي خبطتني. كانت حلوة أوي، مش كده؟ أقولك، مش بس حلوة، دي عندها جوز وسيم من ون يا؟ أنا بجد بحسدها. في الحقيقة، أنا كمان عايزة جوز زي ده!" لوسي قالت كده عشان تفكّر جرايسون إن اليوم اللي أهلهم هيقترحوا فيه الخطوبة قرب و المفروض يبقوا مستعدين من بدرى.
"كلي بسرعة، الأكل هتبرد بعدين."
لوسي سكتت شوية، وشها المتفاجئ ظهر عليه مفاجأة. على الرغم من إن جرايسون كان بارد، كان بيسمع بهدوء و أحياناً يجاوب على جملة أو اتنين لما كانت بتتكلم عن ناس تانية. مش هيتقاطع بشكل مش معقول زي دلوقتي، وده بس بيبين إن جرايسون مش عايز يسمع عن أريا. بس، ليه ده؟ واضح إنهم اتقابلوا بس في اليوم الأول، بس أدّوا للوسي إحساس إنهم يعرفوا بعض من زمان.
لوسي ابتسمت بخفة و ما كملتش.
عشان تخليه يتعصب أو حاجة، لوسي مش هتعمل حاجة زي دي.
… …
"أريا، استني..."
أريا مشيت لباب المستشفى لما ماسون وقفها. مد إيده و مسح الدموع من على وشها و وقف هناك.
ماسون لحق بيها، بياخد نفسه و أمر جوزيف وراه، "ألفي، إنت روح الأول."
لما جوزيف مشي، بص ورا لأريا و وشها الهادي ظهر عليه تعقيد. هو و أريا اتقابلوا، بس دلوقتي يبدو إن أريا مش فاكراه.
عيون أريا كانت باردة و عميقة، و الوقت خد منها كل حاجة كانت ملكها، بما فيهم الدموع. بتبص على الطيارة اللي هتبدأ الرحلة و عينيها فيها تعقيد، أريا حست إن الراجل ده كأنه شافته في حتة ما، بس ما قدرتش تفتكر دلوقتي.
"أريا، في حاجات عايز أناقشك فيها."
ما كانش فيه أي تعبير على وشه. "لو عندك أي حاجة، بس قولها!" المرة دي ماسون جه يشوفها، إيه تاني ممكن يكون فيه؟ أريا مش غبية و خمنت 70% ل 80%.
وش ماسون الوسيم مسح أي تردد. "ممكن نلاقي مكان نقعد فيه؟" في نبرة السؤال، ما كانش متأكد إن أريا هتوافق بجد. على كل حال، ده الوقت الغلط عشان جرايسون يظهر. مهما كان مين هيفكر إنهم في نفس المجموعة. بيخفوا الحقايق عن عمد، مش عايزين أريا تعرف نفس الحاجة. نفس الكلام ده صح.
عيون زي سهام مسمومة، بتطلع ناحية ماسون، نظراته بتهاجم، نبرة صوته باردة من غير حرارة، "يا أبيض صغير، إيه الموضوع اللي هنا؟ ما زلت أملك حاجات أعملها. ما عنديش وقت فراغ كتير عشان أرافقك."
"مش محتاج وقت كتير، بس شوية، بس شوية..."
في النهاية، أريا وافقت على طلب ماسون على مضض. دايما كان لازم تفهم حاجات. بدل ما تخلي جرايسون يقولها بنفسه، أحسن تعرف الحقيقة من بق ناس تانية. على الأقل في الحالة دي، الوجع عليها هيبقى أقل.
قصاد المستشفى، كافيه صغير مزين بأناقة و دقة.
مافيش ناس كتير في الكافيه، و أحياناً اتنين أو تلاتة متجوزين بيدردشوا مع بعض.
الراجلين لقوا قعدة عند الشباك و قعدوا. قبل ما يطلبوا أي حاجة، أريا قالت، "باي دا ما عندوش حاجة يقولها. كل آذاني."
مهما كان نوع الحقيقة أو نوع الضربة اللي عندها، أريا حذرت نفسها من أعماق قلبها إنها لازم ما تعبّرش عن مشاعرها. حتى تحافظ على كرامتها الأخيرة كامرأة بتحبه بعمق.
أريا مش فاكرة إزاي مشيت من الكافيه أو متى مشي ماسون.
لما صحيت من مرآة الحلم القاسية، لقت نفسها في الشارع اللي ما فيهوش ناس كتير. كانت بتشتي، الستارة السودا مغطية السما، السما كانت فيها غيوم و مطر. المطر بل شعر أريا، و هدومها، و خدودها، و رموشها. مش عارفة إذا كان عشان المطر غسل بقسوة أو عشان الدموع نزلت بقسوة و بعنف.
الكلام اللي ماسون قاله كان دايما في بالها.
"أريا، أنا عارف إنك و جرايسون كان عندكوا حب حلو أوي. إنت بتحبيه أوي و هو بيحبك أوي. بس، الوضع مختلف دلوقتي. فيه حاجز بينكوا مينفعش يتخطى. عندك جوز و بنت، و هو على وشك الخطوبة. دلوقتي إنتوا زي طرفي ميزان، واقفين على طرفي بعض. بمجرد ما تغيروا شوية، الميزان هيفقد توازنه و في النهاية هيقع في هاوية غير مرئية مالهاش نهاية."
ده بيطلب منها تسيبه و متزعلوش، مش كده؟
أريا رفعت عينيها و سكتت، و سمحت لمطر أكتر و أكتر يغسل الضباب اللي في قلبها. أطراف فمها بتظهر لمسة ضيق و شفقة.
مدت إيدها، بحزن وقفت في الهوا، في الأصل كانت عايزة تمسك حاجة. بس، اكتشفتي إنه مهما مسكت إيدها، مش هتقدر تمسك أي حاجة، زي قطرات المطر اللي بتنزل من السما، بتمر من خلال حنان راحة الإيد و بتختفي شوية شوية على الأرض.
مدت إيدها عشان تحجب العيون الحمرا الرطبة، بس مهما تحجب، ماقدرتش تحجب الدموع اللي بتفيض من عينيها. هي ممكن تبعد مشاعرها و قلبها قصاد الناس، بس بتسمح للحب و الحزن ينتشروا بلا نهاية في ليلة شخص...
أريا عمرها ما قدرت تنسى الكلمات الجليدية اللي خلتها تنساه، خلتها ما تزعلوش حياته، خلتها تشارك في كل حاجة حصلت كأنها ما حصلتش...
إيه نوع اللامبالاة اللي ممكن تخليه يقول كلمات زي دي، بس في نفس وقت الحزن، أريا كانت شوية مبسوطة إن جرايسون ما قالش الكلام ده. لو كان هو اللي قال كلمات باردة زي دي قصادها، كانت ممكن تكون أصعب عليها إنها تتقبل دلوقتي.
لتلات سنين، هو بس ما قالش كلمة، ما سابش كلمة، حتى ما ادّاش وداع، ما ادّاش سبب، أناني، بمزاجه اختفى من عالمها. دلوقتي، حياتها مش سهلة أوي عشان تهدأ، مش سهلة أوي عشان تقلل اشتياقها ليه في قلبها، مش سهلة أوي عشان تقرر إنها تبدأ حياة جديدة.
هو، على كل حال، ظهر قصادها بالطريقة دي، ما قدرتش تمنعه، خلاها تهرب في حالة ذعر.
ده قدر و لا نكتة بتقتل القلب؟
أريا رجعت لشقتها في حالة لخبطة. لما فتحت الباب، شافت ضحكة كبيرة و صغيرة بترحّب بيها.
أريا فتحت عينيها على الآخر في مفاجأة، تجاهلت جسمها المبلول، و بصت على الراجلين بصوت مبهم. "إنتوا إيه اللي جابكوا هنا؟"
"ماما، نسيتي إيه اليوم ده؟"
ستيلا الصغيرة بصت على أمها المبلولة. بريئة، ما تعرفش إيه اللي حصل لأمها. مدت إيدها و مسكت إيد أريا الصغيرة الباردة. وش فيه قلق، "ماما، ليه ما اتصلتيش ببابا لما الدنيا كانت بتمطر بره و خليتي بابا يجي ياخدك؟ لو اتبلتي، هتتعبى. روحي خدي دش. ستيلا راحت تنشف ماية لمامتها."
ستيلا سابت إيد أريا و جريت ناحية الحمام.
لوكاس و أريا وقفوا وش لوش. لوكاس، لسه لابس مريلة، كأنه لسه طالع من المطبخ. شاف عيون أريا الحمرا، عينيه كانت عميقة شوية، زي بحر صامت، فيه سلام أريا ما تقدرش تساويه.
عيونه و حواجبه بتظهر قلق سطحي و ابتسامة ون يا، "روحي اغسلي بسرعة، هتتعبى بجد بعدين! متقلقيش بنتي و أنا."
لوكاس ما سألش أريا إيه اللي حصل، و لا سألها ليه بتعيط، و لا سألها راحت فين الليلة اللي فاتت. كل ده، ما يقدرش يسأل، كل اللي يقدر يعمله إنه يديها مينا دافية لما تكون حزينة و زعلانة، و يديها ذراع اللي روحها عايزة تعتمد عليه لما تكون تعبانة. ده كل اللي يقدر يعمله.
لوكاس كان يعرف كويس إن الوجع المستخبي في قلب أريا على مر السنين مينفعش يتعالج. على الرغم من السنين دي، كانوا هادين أوي، و سعدا أوي، و فرحانين أوي. على الرغم من، هما الاتنين عارفين إن الجواز ده اللي مالوش قيمة هو مجرد وهم سطحي اتخلق عشان يمنع ستيلا من إنها تبقى بنت غير شرعية. بس لوكاس كان بجد فرحان. كان بجد فرحان لما هو و بنته بيكونوا معاه.
"ماما، الماية جاهزة!" ستيلا وقفت عند باب الحمام، بتلوح بذراعها لأريا، و ابتسامة سعيدة على وشها.