الفصل 26: لم أقصد ذلك
لما نظرت زوي لفوق، كان هو بالفعل لابس، وكانت عنده هالة من البرد القوي، وده خلّى زوي تحس كأن زجاجة ماية ساقعة انصبت على راسها، والسقعة دي انتشرت في جسمها كله.
جرايسون كان شكله مسيطر أكتر، كسلان، وبارد، مش بيسمح لحد يقرب منه.
جرايسون اتكى على الكنبة براحة، والدخان بيحيط بأطراف صوابعه. تجاهل وجود زوي، ولا حتى فكر يبص عليها.
قال: "زوي، أنا قولتلك هعاملك كأختي، بس ما اديتكيش أي سبب عشان تتجرئي في بيتي، خصوصًا لما تقابلي مراتي، الأفضل إنك تحترمي من دلوقتي، وإلا، متلوميش غير نفسك إني ما بهتمش بمشاعرك."
جرايسون لسه قاعد على الكنبة بيدخن سيجارة، وعنيه زي البحر في نص الليل. كان بيفكر لو كانت مضايقة من اللي حصل، لو كانت حاسة بوجع في قلبها، ولو كانت بتفكر فيه للحظة؟
"جرايسون..."
زوي كانت زعلانة شوية، وراسه و عنيها لتحت، شكلها رقيق ومسكن.
"اطلعي برة من هنا."
صوت جرايسون كان بارد زي الجليد في القطب الجنوبي. رفع عينيه وكان فيها برودة.
"قولتلك اطلعي برة، مش سامعة؟ لسة عاوزة تطلعي في سريري؟"
جرايسون اتكلم ببرود وبلا رحمة.
لما شاف زوي ما مشيتش، جرايسون ما غضبش ولا طردها بعنف. بس بص عليها ببرود، بص لها من فوق لتحت، وابتسم برقة، واتكلم بطريقة رشيقة جداً. الكلام اللي قاله كان زي الإبر، بس خلا زوي مش قادرة ترد.
"بيقولوا دلوقتي العشيقة اللي ما عندهاش دم هي اللي ماشية. بتحبي تكوني ملاك بتعويض، حتى لو كنتي طول عمرك طاهرة وعالية؟ بس..." جرايسون انحنى وابتسم لها بخفة وبشكل ساحر.
الابتسامة دي كانت تحفة فنية.
الأوضة فقدت نورها ولونها.
بس هو، جرايسون، كان هو الشيء الأساسي.
"بس... حتى لو انتي موافقة، أنا خايف أتوسخ." بعد ما قال كده، ابتسامة جرايسون اختفت، وتعبيره بقى بارد جداً، وعينيه عميقة وحادة.
"قبل ما تمشي، هاديكي تذكير. لما تقابلي آريا تاني، يا إما فسحي الطريق لها، يا إما ما تتخانقيش معاها."
جرحها من غير ما يسيل دم.
في النهاية، زوي طلعت من الأوضة وهي بتعيط.
جرايسون ما حسش بالشفقة على دموع زوي. ما كانتش هي اللي بيحبها، وما تستاهلش حنيته.
للأسف، الشخص اللي كان نفسه يحميه بشتى الطرق، كان نفسه يهرب منه...
آريا ما عرفتش جريت قد إيه. بس لما تعبت وما قدرتش تجري تاني، وقفت بالراحة، وقعدت على الأرض بتعيط بحزن.
كل دمعة كانت بتنزل كانت زي الخنجر اللي بيقطع قلبها حتة حتة.
على الرغم من إنها عارفة من زمان إن زوي هي حب حياته، وإنه هيمسك إيدها ويكبر معاها.
بس في اللحظة اللي شافت فيها الاتنين في السرير، قلبها لسه كان بيوجع بهدوء.
على الرغم من إخفاء المشاعر.
لما كل ده اتقال واتعمل، المفروض تنهي حبها ليه؟
كانت منسية، والعالم تخلى عنها. ما كانتش عاوزة تعيش عشان غيرها تاني. كانت عاوزة تعيش حياتها الجميلة تاني.
ما كانتش عاوزاها تكون مبهرة. كانت بس بتأمل إن ميبقاش فيه ندم في حياتها.
لما طلعت، جريت بسرعة لدرجة إنها ماخدتش بالها لو كانت جريت بعيد أوي. ما شافتش رايلي طول الطريق.
آريا أخدت كام نفس عميق، وهديت نفسها، وطلعت الموبايل، اللي كان مقفول.
آريا شغلت الموبايل، بس لقت أكتر من عشر مكالمات فائتة. آريا فكرت إن حاجة حصلت لرايلي، واتصلت بيها في حالة ذعر.
"ألو، رايلي."
أول ما التليفون اتوصل، الطرف التاني صرخ زي الأسد، "ألو، آريا، انتي اتهبلتي؟ أنا ناديتلك وانتي بتجري، بس انتي تجاهلتيني. إيه اللي حصلك؟"
"..."
آريا كانت متلخبطة شوية. هل هي فعلا جريت زيادة عن اللزوم دلوقتي؟
زي ما آريا كانت عاوزة تتكلم، الطرف التاني سكت. وبعد شوية، صوت ناعم جه من التليفون، "آريا، أنا بستناكي في المكان اللي كنا فيه من شوية. متنسيش، حتى لو ما عندكيش هو، لسه عندك أنا."
رايلي اتكلمت وقفلت التليفون.
آريا اتجمدت شوية بالدقايق، والموبايل في إيدها، وبعدين بصت لفوق للسما وابتسمت برقة.
ده صح. هي خسرت جرايسون، بس لسه عندها رايلي!
آريا جريت تاني وشافت رايلي زي ما توقعت بعد كام دقيقة.
رايلي كان شكلها مكشر ومركزة على آريا، بتتمناها تبلع آريا حية.
آريا قربت عشان تاخد الشنطة، "رايلي، أنا آسفة، جريت بعيد أوي."
آريا ابتسمت ووشها احمر، وحست بشوية خجل من اللي عملته من شوية.
رايلي ما ادتش الشنطة لآريا، بس أدتها الكتب. شكلها ما كانتش مبسوطة أبداً، "وانتي بتقولي كده. أنا عمري ما شفتيك بتجري كده لما كنا بندرس في المدرسة. لو كنت أعرف إنك تقدري تجري كده، كنت خليتك تمشي معايا ساعتها. وبعدين، ممكن تمسكي الكتب بس. الشنطة دي تقيلة. خليني أنا أشيلها!"
آريا اتأثرت ودموعها بدأت تنزل.
رايلي وقفتها.
"خلاص، متعيطيش، وإلا هحس بالاشمئزاز. مافيش داعي نكون بالشكل ده المخيف. طيب، طيب، يلا بينا!"
رايلي سحبتها لفوق ورفعت شنطتها عشان تمشي.
والطريق قدامهم كان طويل، شكله مخلص.
"رايلي، مش هنستنى تاكسي؟" آريا سألت.
رايلي هزت كتفها باستهتار، "لأ. مافيش تاكسيات هنا. أنا بستنى من زمان بس ما شفتيش ولا عربية. متضيعيش وقتك في الانتظار. خلينا نتمشى!"
في الحقيقة، رايلي شافت آريا بتعدي من جنبها من شوية، وعرفت إنها لازم تكون بتعيط.
حاجة خلتها حزينة لازم تكون حصلت في الفيلا.
بس، لو آريا ما قالتش، رايلي مش هتسألها، بس هترافقها بهدوء.
دي هي الصداقة الحلوة. رايلي ما سألتش إيه اللي حصل، بس فضلت جنب آريا بهدوء، وجابت لها الشمس.
في النهاية، الاتنين مشيوا للبيت بشكل خرافي.
هم مشيوا لمدة ساعة و45 دقيقة.
لما رجعوا لبيت رايلي، الاتنين كانوا منهكين، بس آريا حست إنها أحسن بكتير، ودي أكيد أكبر مكسب!
رايلي بصت على البنت اللي نايمة على السرير وضحكت.
يا لهوي، آريا فعلاً كانت بنت غنية متربية في نعمة، وتعبت بعد ما مشيت شوية. شكله العشاء النهاردة مش هنعتمد عليها فيه.
رايلي غطت آريا، قامت، وراحت على المطبخ.
الشقة الصغيرة اللي فيها أوضة نوم واحدة، بقت دافية وحلوة بفضل وجود آريا.
لما آريا صحيت، كان فيه أكل سخن على الترابيزة، ورايلي كانت بترتب كتب آريا ولبسها في شنطتها.
"رايلي..." آريا اتأثرت ونادت بهدوء.
ما كانتش متوقعة إنها تحصل على الدفء والحب اللي كانت بتتمناه هنا.
لما سمعت صوتها، رايلي لفت.
"آريا، صحيتي. تعالي بسرعة واقعدي. بصي، أنا عملت أكلاتك المفضلة وشوربة. متقلقيش، أنا عارفة إنك ما تقدريش تاكلي أكل حار، عشان كده ده فلفل حلو، مش حار. يلا، جربي. طعمه إيه؟" وهي بتتكلم، أخدت حتة من التوفو وحطتها في بؤ آريا.
"طعمه حلو." آريا جاوبت بصدق.
رايلي ضحكت أكتر، "ده كويس. أنا فعلاً خايفة إنك ما تتعوديش عليه. أنا مجرد فلاحة، ما بعرفش أعمل غير كده! ما معييش فلوس للحلويات!"
رايلي راحت تغسل إيديها، وآريا ملأت الأطباق بالأرز. لما رايلي رجعت، آريا كانت بس بتحط أعواد الأكل.
"واو، آريا، آريا بتاعتي شاطرة بجد. انتي بتقدمي لجوزك أكل! أنا متأثرة!"
رايلي كانت بنت بتضحك. دايما بتحب تهزر لما كانوا في المدرسة، وده غالبا بيخلي آريا تضحك.
"جوز إيه؟ ممكن تكوني جدية؟" آريا ابتسمت بنبرة فيها سؤال.
رايلي قعدت باستهتار وأخدت الطبق وأعواد الأكل، "مراتي الحلوة، يلا ناكل!"
أخدت حتة باذنجان وحطتها في طبق آريا.
"مراتي، كلي أكتر عشان تولدي بيبي ليا النهاردة."
آريا ضحكت بجد لدرجة إنها بصقت الأكل.
"هاي، هاي، هاي، بتعملي إيه؟ هي مجرد توليد بيبي. إزاي ممكن تولدي بيبي من غيري؟ لو تقدري تجيبي بيبي لوحدك، كل الرجالة في العالم هيموتوا." لما شافت تعبير آريا، رايلي مثلت إنها بتشتكي.
رايلي فكرت، ببساطة حطت الطبق وأعواد الأكل، وبصت لآريا، "إيه المضحك؟ ركزي في الأكل. هنعمل اتفاق، أنا هعمل بس الأكلة دي. مش هعمل طبيخ تاني. لازم أكسب فلوس لمراتي الحلوة."
آريا ضحكت تاني.
المرة دي، رايلي بصت بجدية. أخدت عود أكل وخبطت على حافة طبق آريا. شكلها كان جاد، "هاي، هاي، هاي، ركزي في الأكل. بتضحكي على إيه؟ شكلي مضحك ليكي؟ بصي عليا، شكلي مضحك؟"
"إيه... هووف..." آريا بجد ما كانتش عاوزة تضحك، بس كانت رايلي قدامها، عشان كده ما قدرتش تمنع نفسها من الضحك.
"متضحكيش. بتضحكي على إيه؟ لازم تكوني مؤدبة. هعاقبك تلات شهور من غير أكل عشان ما بتتصرّفيش كويس."
آريا ضحكت لدرجة إن بطنها وجعتها.
رايلي وهي بتشوف آريا بتضحك، ابتسمت شوية.
الاتنين بدأوا ليلهم الأول في جو مليان فرح.
وهما نايمين في السرير، بصوا على السقف وهما فاتحين عينيهم على وسعهم.
على الرغم من إن البيت ما كانش كبير، الضهر ده كان أسعد أيام آريا.
"شكراً، رايلي."
"آريا."
رايلي ما كانتش سعيدة زي ما كانت الضهر، ولا بتضحك زي ما كانت على ترابيزة العشا. بس كانت قريبة من آريا، وقالت بصوت هادي.
"مينفعش الواحد يعيش في الماضي أو الذكريات. لازم نكبر. هنقابل مشاكل كتير ونقابل ناس من كل الأنواع. عشان كده، المفروض ننسى اللي لازم ننساه، ونخبي اللي مينفعش ننساه في قلوبنا. بس، لو الشخص اللي في قلبك هيجيبلك بس أذى ووجع مالهمش نهاية، الأفضل إنك تتعلمي تنسي."
"آريا، ممكن تحاولي تنسي جرايسون؟"
رايلي ما قدرتش تشوف آريا بتتعذب.
"حاجة حصلت في الفيلا النهاردة؟ زي ما انتي عارفة، أنا نادراً ما بسأل عن أسرارك، بس ده مش معناه إني ما بهتمش بيكي. آريا، انتي صاحبتي الوحيدة في المدينة دي. في أصعب وقت في حياتي، انتي ظهرتي في حياتي وجبتيلي الشمس المشرقة. عشان كده، آريا، أنا كمان عاوزة أكون الشمس في حياتك، وأنور قلبك الحزين."
آريا فهمت كل ده.
رايلي كانت بتهزر على ترابيزة العشا عشان تسعدها. هي عرفت ده.
"رايلي..." عيون آريا الصافية كانت بتلمع.
اتخنقت من كتر البكاء.