الفصل مائتان وأربعة وثمانون للتحرك
« آسفة يا يان. في الحقيقة، عندي خطط عشان أحكيلك عن الموضوع دا. بس... »
كينسلي مش قادرة تحكي لآريا الحقيقة. حتى لو عرفت في يوم من الأيام في المستقبل، أكيد هتكرهها أو هتزعل منها. بس لو دا ممكن يخليها تنسى كل الماضي المؤلم، كينسلي هتكون سعيدة جدًا. حتى لو على حساب إنها تخون صديقتها المقربة.
آريا قالت، « كينسلي، مش لازم تلومي نفسك. في حياة كل واحد فينا، بنواجه اختيارات كتير. بعض الاختيارات بتكون غصب عننا. حتى لو حبينا نشاركك ونساعدك. بس لو دا هيحرجك، أنا أفضل إنك متقوليش. المهم إنك تكوني مبسوطة. »
آريا مشيت قدام شوية، وبعدين وقفت وبصت لفوق.
مش عارفة ليه، مؤخرًا، حست إنها مهووسة أكتر بعالم الثلج الأبيض.
« الثلج، جميل. » ابتسامة وحيدة رسمت على شفايف آريا. صحيح، جميل جدًا.
مش فاكرة كانت سنة كام.
يوم مميز جدًا.
برضه في عالم مليان ثلج بالشكل دا. آريا لسه فاكرة وهي بتمشي على الثلج المتلج، بتمشي لوحدها في صمت.
الهدوم اللي عليها كانت خفيفة جدًا وبتبرد.
لأول مرة، عصت أبوها واتضربت من مرات الأب. وهربت.
وقتها، كان عندها عشر سنين بس. في الثلج المتلج دا، ماكنتش عارفة تروح فين.
ماكانش معاها فلوس، ومش لاقية مكان.
اضطرت تدخل في ركن في مقهى انترنت، ماسكة ركبتها، وبتدفن راسها عليها وبتعيط بصوت واطي.
« هوي، شكلك وحش وأنت بتعيطي. »
ولد صغير، رقيق وجميل. لما آريا رفعت راسها وشافت الولد الصغير لأول مرة. فكرت إن الولد اللي قدامها جميل زيادة عن اللزوم. أجمل بكتير من البنات. حتى إنها غيرت منه. عيون الولد كانت حنينة ومش واقعية.
جسم آريا اترعش فجأة. فكرت إنها خلاص هتموت. زي البنت الصغيرة اللي بتبيع كبريت، غمضت عينيها ببطء بعد ما شافت اللي كانت بتتمناه. ونامت للأبد.
وقتها، فكرت بالشكل دا.
بصت للولد الصغير الجميل اللي قدامها. صوتها الحلو واللطيف كان زي صوت من السما. عيونها الحلوة الغامقة الموجة بتراقب عيون الولد الصغير وفمها الجميل اللي على شكل كرز بيتفتح. « هأتموت؟ ممكن! محدش هيهتم لو مت، على أي حال، مافيش مشكلة. »
نظرة بنت عندها عشر سنين للعالم في البداية، إن الأحسن إنها تعيش بدل ما تموت.
آريا لسه فاكرة بوضوح إن الولد الصغير في الوقت دا اتصدم بكلامها. خد وقت طويل عشان يطلع كلمة ببطء، « أنتِ بجد بشعة بالشكل دا. »
وقتها، الغضب والجوع اختلطوا، آريا زعقت وردت، « أنت رغاي زيادة عن اللزوم. سواء كنت بشعة أو لأ، مالكش دعوة! »
الولد الصغير مازعلش، بس قرب وقرب منها أكتر. وبعد ما درسها بعناية لوقت طويل، قال ببطء، « طيب، بجد بشعة. الوحش البشع دا مش هتعرف تتجوز أبدًا لما تكبر. »
آريا اتعصبت في الوقت دا. وشها المدور الصغير احمر وصرخت في الولد الصغير، « ملكش دعوة لو ماعرفتش أتجوز، مش هتجوزك أنت. »
« لو عايزة تتجوزيني أوي كدا، أنا ممكن أتجوزك بالعافية. »
آريا فكرت في كدا، زوايا فمها ظهرت فيها ابتسامة خفيفة.
كان أحسن يوم في حياتها والولد اللي قابلته، اللي كان أجمل ولد، اداها أحلى حلم.
قال إنه هيتجوزها.
بس كمان اتفقوا إن دا هيكون بعد عشر سنين.
آريا طلعت سلسلة كانت هدية من الولد الصغير.
بعد كل السنين دي، عمرها ماشافت الراجل دا. أكيد، هي أخدت الاتفاق دا في الوقت دا على إنه هزار أطفال.
بس، لسنين طويلة، عمرها مانست عيون الولد الصغير الحلوة في الوقت دا.
اليأس، المرارة، والعجز... كل المشاعر اللي حوالين عيون آريا بتتدفق بغزارة. قدام كينسلي، مش محتاجة تتظاهر إنها قوية. هما الاتنين زي بعض.
كينسلي اللي وراها غطت شفايفها ودموعها نزلت على الثلج. الثلج غرق لى طول. حفرة صغيرة مش عميقة، بس فيها حزن عميق ماينفعش يتقال.
آسفة يا آريا.
كينسلي قالت لنفسها.
« في الحقيقة، أنا استسلمت من زمان عن الحب. عشان، أنا شايفه، إن الحاجة دي مش هتجيب غير حزن وألم مالهمش نهاية للناس. بس، لما قابلته، حسيت إنه شكله زي الولد الصغير اللي في خيالي، مع عينين ووش جميلين ومش واقعيين. » آريا وطت عيونها وزوايا فمها ظهرت فيها لمسة من السخرية. « أنا بجد اتلخبطت بكل المجهودات دي اللي طول السنين دي. في قلبي، أنا بجد بحبه جدًا، ولا أنا بس بدور على صورة الشخص اللي فضل في طفولتي واللي فضل في خيالي. »
من زمان، زمان أوي، لما وقعت في حب غرايسون، سألت نفسها كلمات زي دي.
بس، في الوقت دا، كانت صغيرة وجاهلة، بتفكر إنها ممكن تحصل على حاجة لو هي بتدي. وبعدين سارت في طريق مظلم. في النهاية، اتجرحت.
« قولي، أنا مش غبية أوي. من غير ما أحدد رأي، الواحد بيعتمد على حاسة الست عند المرأة عشان يقرر حياته في المستقبل. دا بجد فظيع. »
كينسلي مدت إيديها. أنا عيطت كتير بالفعل.
« ليه بتعيطي؟ »
عيط كينسلي رجع آريا للواقع. آريا كانت بتكلم نفسها من شوية، ونسيت إن فيه شخص وراها لسه.
كينسلي بسرعة مسحت دموعها وابتسمت على زوايا فمها. « مفيش، بس القصة اللي حكيتيها مؤثرة أوي. عيطت لما سمعتها. » حافة العين حمرا، وكمان بتبذل مجهود عشان تبتسم. اللي طار من الرياح والرمل دخل في العين، كل دي كلمات بتخدع. أول ما سمعتها، عرفت إنها كدب.
« ها ها! » آريا غطت فمها وضحكت. « يبدو إن القصة اللي أنا ألفتها أثرت فيكي بجد. »
كينسلي هزت راسها، « آريا، أنا اكتشفتي إن لما كنتي بتحكي القصة، كنتي مسحورة بجد! أنا ناديت عليكي كذا مرة قريب منك، ومسمعتينيش! »
ناديت عليها كذا مرة؟
ليه ماسمعتش حاجة، بس حست إن قلبها دافي، فجأة برد. يالهوي إحساس غريب، الصدر فيه حاجة، تقريبا مش قادرة تساعد، عايزة تطلع.
« آريا، يعني، أنا... »
كينسلي مش عايزة تشوف آريا تبقى بالشكل دا دلوقتي. غرايسون عمل كل دا. كان لازم تحكي لآريا عن دا. ممكن بمساعدة آريا، غرايسون بجد يصحى.
« كينسلي، متسأليش عن أي حاجة، متقوليش أي حاجة، نرجع لريلي بهدوء! النهاردة حفل زفافها، ومش هينفع إنها تشوفنا الإتنين حزينين. » بالرغم من إن كل الحزن دا كان مفروض على كينسلي من آريا.
ريلي جميلة.
تحت شهادة كل البركات بالسعادة، الاتنين خدوا القصر، ومشيوا لقدام الكاهن وعملوا قسم الزواج.
الاتنين بدلوا الخواتم وبعدين اتقدوا بسعادة.
في اللحظة دي، التصفيق الحار والهتافات في المكان غطت على كل المارة اللي بطونهم في الزاوية وبتلعق جروحهم.
حفل الزفاف كان حيوي زيادة عن اللزوم.
آريا مشيت لوحدها. قاعدة على حافة حمام السباحة الداخلي، فستان أزرق مائي وشكل صغير بينعكس في حمام السباحة.
حتى لو الميكاب دقيق، والوش جميل. بس قاع العين فاضي ومفيهوش نور، من غير أي أثر من اللون السماوي. كل الأرواح فضيت وبتتجول مع القلب الوحيد. قلبها ساب جسمها ومش ملكها.
« لوحدك هنا. »
صوت هادي.
آريا مابانتش إنها سمعت حد بيناديها وتجاهلت دا مباشرة. قاعدة بهدوء على حافة حمام السباحة، بدون حركة. بتبص على صورتها في حمام السباحة. الظل دا معروف شوية.
رفعت راسها، « إيزاك، ليه أنت هنا؟ »
إيزاك كان لابس بدلة أزرق فاتح وقميص أبيض، وكان نحيف ومستقيم. نزل وقعد مع آريا.
« أصحابي طلبوا مني. »
في البداية، إيزاك ماوعدش، بس سمع إن ريلي هتتجوز. فكر في العلاقة بين ريلي وآريا. بس وقتها إيزاك وافق على طلب الراجل.
« ماكنتش أتوقع إن أشوفك هنا تاني. كنت فين الأيام دي؟ المرة اللي فاتت روحت أسأل كينسلي، كينسلي قالت بالصدفة إنك سافرت بره، وبعدين مافيش حاجة حصلت. » آريا كانت متفاجئة شوية وهي بتشوف إيزاك. كينسلي قالت إنه سافر لإنجلترا. ليه فجأة اتقابلوا في فرنسا؟
إيزاك شال جاكيت بدلته وحطها على آريا.
« إيزاك... »
إيزاك وقف، « آريا، متترفضينيش. حتى لو ماقدرتش أكون معاكي، على الأقل، أديني فرصة عشان أهتم بيكي وأحميكي من وقت للتاني. » عينيه كانت عميقة وضيفة. بعد شهور من الغياب، إيزاك شكله أجمل وسحره أكتر.
آريا نزلت إيديها ومشدتش الجاكيت على كتفها. على الجاكيت، كان فيه إحساس دافي، مصحوب بريحة عشب خفيفة.
آريا تعرف الريحة دي كويس أوي. وهي مغمضة عينيها، استنشقتها بهدوء وقالت، « إمتى اتعلمت الريحة الخفيفة دي للعشب؟ »
افتكرت إن إيزاك كان بيحب ناس كتير تستخدم برفانات الكولونيا اللي فيها سحر شخصي للرجالة.
« مفيش، بس زهقت منها وعايز أجرب حاجة تانية. »
آريا ابتسمت، دا بجد سبب كويس.
لوكاس قابل كذا زبون كبير يعرفهم في الاجتماع. كذا واحد منهم ماشافوش بعض من زمان واتكلموا لوقت طويل. لما مشيت، اكتشف إن آريا ماعدش موجودة في المكان.
قلقان زي ما هو، دور على أماكن كتير وفي النهاية مشي لباب حمام السباحة ووقف. العيون كانت ناعمة ولطيفة على الملاك اللي هي مش بعيد، والصورة تجمدت.
« يا لهوي، بجد، الراجل دا راح فين؟ » صوت بنت حاد مر على أذن لوكاس.
لوكاس انكمش بهدوء وبص ببرود.
هو شاف البنت دي. في مكان حادثة السيارة في كالب، البنت اللي في عربية كالب كانت هي.
« أنت مين وليه بتبصلي بالشكل دا؟ » ليزا رفعت حواجبها وبصت للراجل الوسيم اللي قدامها بازدراء. هل هو راجل تاني جه عشانها؟ دا بجد ممل. »