الفصل مائتان وواحد وتسعون قلب فوضوي
ريلي وإيزيا لفّوا وشافوا لوكاس واقف مش بعيد. تعابير وشه كانت شوية فكّيه، بالرغم من إن عيونه دايماً كانت دافية ورطبة. بس في اللحظة دي، النظرة المعقدة اللي في عيونه خطفت بسرعة، وخلّت ريلي تفهم إن الراجل كان صبور.
لأني بحبها، أنا مبسوط حتى لو كان ده بيوجّع.
"في إيه بتتكلموا عنه؟ ادخلوا! الأكل جاهز."
بمظهر لطيف وأنيق، مشي من جنب الراجلين واتجه لأريا اللي واقفة بعيد.
"ستيلا، تعالي، يا بابا، اديني حضن." باس بنته بوسة خفيفة على جبينها وشال ستيلا بابتسامة. "قولي لبابا، اتبسطتي مع أخو فافري الصغير؟"
لوكاس دايماً مشغول أوي في الأوقات العادية، بيقضي وقت كتير في الشركة ووقت قليل بس في البيت. وقت مقابلة ستيلا الصغيرة برضه قليل أوي. كل مرة بيرجع، ستيلا الصغيرة بتكون نامت خلاص. كان مكسوف يدخل أوضة أريا، بس في الحقيقة ما كانش بيجرؤ. كان خايف إنه ما يقدرش يسيطر على نفسه ويعمل حاجات ما تتصلحش لأريا.
الأطفال كده، بريئة، بسيطة ومبسوطة.
ستيلا الصغيرة حضنت رقبة لوكاس وفركت وشه في خد لوكاس. صوتها كان لسه طفولي وحلو. "يا بابا، ستيلا الصغيرة مبسوطة بجد النهارده. مش بس شفتي أهلي اللي بالتبني، بس كمان أخو فافري الصغير وأختي الصغيرة. ستيلا الصغيرة بتحب الكل أحسن حاجة."
بتضحك، جميلة أوي.
لوكاس مد إيده عشان يعدّل شعر ستيلا، اللي كان متكتّل وطاير. بص لبنته برقة. "طيب، ستيلا الصغيرة بتاعتنا هي أحلى وأكثر واحدة بتعجبني."
أريا كانت شايلة فافري في حضنها وجات على جنب لوكاس. "يلا بينا، الأطفال جعانين."
"أه، أه، يلا، يلا. بس اغسلوا إيديكم الأول. بس لما تغسلوهم على الفاضي، يبقى فيه أكل!"
أريا ابتسمت. "أنت الوحيد اللي ذكي."
ستيلا الصغيرة طلعت لسانها وغمزت بعيونها الواسعة المليانة مية بشقاوة.
… …
دي الربيع التالت، شجرة الفونيكس الفرنسية، قطعة خضرة. بلد حِلم، بلد أشجار الفونيكس، مدينة الحب الرومانسية.
للأسف، البلد الرومانسية دي المليانة خيالات جميلة عن كل الحب بتجيب لجرايسون بس وجع تمزيق القلب.
ما اهتمتش بشعري المبلول. قدام الشباك الفرنسي، السما برة الشباك كانت زرقا وجميلة، وطيور بتطير من وقت للتاني.
ولا واحد منهم وقف عشانه.
على الترابيزة كانت سجايره المفضلة، ماركة فرنسية. بعد ما ترجم اسمها، حبها أوي وشعر بنوع من الحب اللي ما يقدرش يستغنى عنه. تاخد نفس منها وما تقدرش تنسى الطعم.
زي حبه بالظبط.
حبه؟
القلب كان في منتهى الفوضى، ومجموعة لهب ولعت السيجارة اللي في إيده. أخد نفس مفاجئ واختنق في زوره. بس، لسه بيشفط منها بدون تردد، عارف إن كحته الشديدة دي أرعبت لوجان اللي جنبه.
"يا ريس، ريس باي قالك ما تدخنش تاني."
لوجان مُخلص ووفي أوي.
جرايسون ما سمعش، تجاهل كلام لوجان ودخّن سجايره. لو ما دخّنش في اللحظة دي، قلبه الفاضي ده هيخليه يحس بالعجز والحزن.
أخد نفس قوي تاني وكح بعنف.
الدخان بيملى الهوا، وحوله نجوم ضبابية وخافتة.
"يا ريس." لوجان قلقان بجد. جسم الريس ما خفش، دلوقتي كده، الجسم ما يقدرش يستحمل.
"اطلع برة."
برد بدون إحساس.
افتكر ذئب بدون مشاعر، محاط بنظرة قاتلة باردة وشديدة.
لوجان فهم إن الريس اتهز من اللي شافه بالنهار. حتى لو ما بيبينش ده قدام الناس. بعد أكتر من سنتين معاه، لوجان عرف شوية حاجات عن الريس بتاعه. عشان يبقى عنده فهم كامل، لوجان بص في كل الحاجات اللي حصلت للريس وممكن يلاقيها في بايدو. لو عنده فرصة يرجع البيت، مش هيستسلم من زيارة المكان اللي الريس عايش فيه.
لوجان وقف مش عايز يمشي. بس ما جرأش يتقدّم.
"يا ريس، ما تعملش كده. أنا عارف قلبك حزين أوي، بس..."
"أنا سمحتلك تطلع برة، ليه ما بتبقاش؟"
عيون جرايسون كانت دايماً بتبص على الأضواء اللي مش واضحة في الشارع. كل ده ما كانش حقيقي أوي. مد إيده عشان يمسك في اللي عايز يمسكه أكتر حاجة، فتح عيونه، بس لقى إن ده كان مجرد وهم من مرآة حِلم. في حِلمي، ما أقدرش أمسكه. في الواقع، الحب زي الرمل بين الصوابع، اللي اتصفى لوقت طويل وبيختفي شوية.
"يا ريس."
"اطلع برة."
مهما لوجان حاول يمنعه، لجرايسون، ما كانش محتاج مواساة ولا حد يزعجه دلوقتي.
لوجان كان ضايع، مش عارف يمشي ولا يبقى.
فجأة كان فيه وزن زيادة على كتفه. لوجان بص لفوق وشاف إن شكله وسيم. فتح بقه واتكلم، "يا ق... بورد..."
"أنت اطلع برة الأول، أنا هنا."
لوجان هز راسه، فتح الباب وطلع برة.
ميسون جت ورا جرايسون برجلين طويلة. "ندمت؟ مش ده اللي توقعته في الأول؟ خليها تعيش حياة بسيطة وسعيدة. دلوقتي هي سعيدة وهادية وشايفة الجبل عشان تنقذها."
المعلومات في الرسالة الأصلية كانت زي المتوقع دلوقتي. أريا عاشت حياة سلمية وسعيدة في البلد دي.
دلوقتي هي، مش لازم تزعج، ده اللي المفروض جرايسون يعمله في اللحظة دي.
واضح إنه عارف ده بنفسه، وواضح إن ده اللي بيتوقعه. بس لما صحي، سمع خبر جوازها، كأنه ملايين السهام بتضرب في قلبه.
"عايز تقول إيه؟"
ميسون مد إيده عشان ياخد سيجارة جرايسون. "مش واضح أوي عايز أقول إيه؟ بتسأل وأنت عارف."
جرايسون: "…"
لف ميسون ومشي ناحية أوضة النوم. "عايز أرتاح. عايز تمشي ولا تفضل هنا؟ اتصرف براحتك."
اتدّق في دماغه، مشتاق يهرب.
حتى لو الوجع مش لازم يظهر قدام الناس.
"يا جرايسون، ما بتهربش دايماً. ما تقدرش تهرب طول حياتك. المفروض تصحى وتواجه الواقع. أمريكا ولوسي لسه مستنيينك ترجع؟"
"ما هربتش."
… …
"يا أختي، قولتي إن أخو جرايسون مش هيهرب بجد!" لو كانت بتفتح عيونها الواسعة المليانة مية عشان تبص على أختها الأنيقة والرقيقة والجميلة اللي قدامها، قالت بشك. ما شافتهوش من زمان. كل يوم بشوف أختي قاعدة بهدوء في الجنينة، بتبص على البوابة البيضا، كأنها مستنية حبيبها يرجع.
حتى لو ما بتقولش، لو صنيعة كمان فهمت، أختها بتستنى أخو جرايسون الكبير.
لوسي، لابسة جيبة ضيقة وردي وشال أنيق بهدوء، قعدت بأناقة في الجنينة بتراقب الليل الهادي والضبابي.
لما شافت روقين، رفعت الابتسامة الحلوة بتاعة وين يا على زوايا بقها. "أختي بتفكر كتير. هو مش النوع ده من الناس. أختي بتؤمن إنه هيرجع لها و هتستنى."
على السرير الكبير الناعم، أريا كانت بتغني أغاني أطفال بهدوء عشان تنوّم ستيلا الصغيرة. لما فافري وريلي مشيوا من شوية، ضحكوا و ستيلا عيطت بشكل مأساوي. بتعيط وتصرخ، "أخ…"
أريا بصت على وش بنتها وهي نايمة وابتسمت بخفة. الإتنين دول صغيرين كويسين بجد؟ من شوية ريلي اتصل وقال إن فافري عيط طول الطريق في البيت وفضل يقول إنه بيدور على أخته.
"ها، البنت نامت خلاص؟"
لوكاس وقف على الباب وسأل بهدوء.
أريا غطت ستيلا الصغيرة ببطانية وقامت عشان تمشي. قفلت الباب وراحت على البلكونة مع لوكاس، بتشم الهوا.
"شكراً، يا كبير."
على مدار السنين، بدون مساعدة لوكاس، أريا فهمت إنها هي وبنتها ما كانواش هيكونوا كويسين زي ما هما دلوقتي. بس، غير قول شكراً، ما كانتش عارفة إزاي تشكره.
"تشكر على إيه، مش لازم نكون مهذبين أوي كده."
لوكاس مد إيده وبوظ شعر أريا الطويل والغامق. لسنين كتير، هما دايماً كانوا بيحترموا بعض كضيوف. في عيون الناس، هما دايماً كانوا نموذج لزوجين. حافظوا على مشاعر كويسة وجميلة لتلات سنين وعمرهم ما اختلفوا أو اتخانقوا. بس، بس الناس اللي يهمهم الأمر بيفهموا.
أريا هزت راسها. "الطفل كبر دلوقتي، وأنا شايفه إنها لازم تعرف الحقيقة. حتى لو هيكون فيه شوية قسوة، بس..."
دلوقتي رتبت مودها وجهزت نفسها نفسياً. مهما كانت الأيام اللي جاية صعبة ومتعبة، مش عايزة تزعّل لوكاس تاني. أريا كمان فهمت إن ده مش عدل لوكاس إنه ياخد الاختيار ده، بس لو استمر كده، يبقى مش عدل ليه بجد.
ما تقدرش تديله حب، وبتمنعه إنه يحصل على السعادة. النوع ده من نفسها، أريا كرهت النوع ده من نفسها.
"أريا، اتأخر، كنتي مشغولة طول اليوم، روحي نامي بدري. لو فيه أي حاجة تانية، هنتكلم عنها يوم تاني." طبطبت على كتف أريا، لفت ومشت ناحية أوضته.
أريا بصت على ضهر لوكاس وهو ماشي لوحده وحست بالذنب أكتر. بس هو ما ادهاش وقت عشان تشرح، وفي قلبه فهم شوية اللي أريا عايزة تقوله.
لوكاس اختفى وتليفون أريا رن.
تنهدت في سرها، طلعت تليفونها، شافت رقم التليفون اللي تعرفه واللي ما تعرفهوش، قطّبت حواجبها شوية، بس لسه ردت، "ألو، يا بابا."
الصوت ده بتاع الأب، زمان ما شفناهوش بقاله أكتر من تلات سنين.
"يا ابني، ارجع بص لما يكون عندك وقت!"
الصوت التخين، واطي ودافي، بيبدو إنه أرق من تلات سنين. في الصوت ده الرخيم أريا حست باشتياق الأب العميق لبنته.
من المضحك إن، لفترة طويلة، عمري ما عملت مكالمة تليفون. المكالمة دي جات فجأة دلوقتي، وصوت أبويا على التليفون مليان بالحزن، حسيت إن فيه حاجة هتحصل.
قلب أريا كان متضايق شوية وحست إن فيه حاجة هتحصل.
أيدن كان قاعد لوحده في دراسة هادية. جايدن أخده البيت من سنتين فاتوا، بس هو عانى من أوتيزم حاد. الروح كويسة، بس عمره ما اتكلم أو اتواصل مع ناس تاني. أنا مش متعود على كل حاجة حواليا، حتى أهلي بيتعاملوا كغرباء. ده خلى أيدن وليلى بيعانوا.